يحيى زكي

المتابع لمواقع التواصل الاجتماعي بإمكانه أن يلحظ ذلك الهوس بالتاريخ، حيث هناك زخم واضح في تلك المواقع بسرد التاريخ المضاد، وشغف بنظريات المؤامرة على نطاق واسع، وذلك بعكس الفكرة الشائعة في الماضي التي كانت تذهب إلى أن التاريخ لا يهم سوى النخبة أو حفنة من البشر مولعة بالتجول بين الوقائع والأحداث. إن وجود التاريخ بهذه الكثافة في زمن التكنولوجيا فائقة الحداثة يطرح سؤالاً: إلى أي مدى يمكن أن يستفيد المؤرخ من الأدوات الجديدة التي توفرها تلك التكنولوجيا؟.
في الماضي، كان التاريخ حبيساً في المدارس والجامعات. كان يخرج بين فترة وأخرى إلى شرائح واسعة من البشر في رواية أو مسلسل درامي، مع إثارة الجدل الدائم: هل يستطيع الأدب أو الفن كتابة أحداث منضبطة علمياً؟ وفي المقابل كانت هناك رؤى ومناهج تحكم كتابة التاريخ، فوجدنا من يذهب في تفسير التاريخ إلى تغليب العامل الاقتصادي، ومن يمنح البطولة المطلقة للفرد. ومنذ عقود ليست قليلة بدأنا نقرأ عن كتابات جديدة في التاريخ، منها ما اعتمد في سير الأحداث على التغيرات المناخية وما فعلته في البشر والطبيعة، ومنها من اهتم بالمهمشين ووضعهم في مقدمة المشهد.
وداخل الصورة السابقة كان المؤرخ يعتمد على مناهج وأدوات ومصادر أولية وأخرى ثانوية، وقد تطورت هذه المصادر بفعل الزمن وانضافت إليها نتيجة التطور أشكال جديدة. ففي الماضي مثلاً لم تكن الصحافة الورقية من المصادر الموثوقة للمؤرخ، لكن بمرور الوقت أصبح للصحافة الورقية ثقل ما، بل وتجاوزها بعض المؤرخين إلى الصور الفوتوغرافية كما فعلت المؤرخة لوسي ريزوفا في كتابها «عصر الأفندية»، حيث اعتمدت على مئات من الصور الفوتوغرافية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لتؤرخ لدخول الحداثة إلى مصر في تلك الفترة.
ولكن ماذا عن الصور التلفزيونية والإلكترونية، ومقاطع الفيديو التي يصورها ملايين البشر وينشرونها لحظياً على مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل بالإمكان اعتبارها من مصادر التاريخ؟ هل تخبر المؤرخ بشيء ما؟ هل تصلح للتوثيق، أم أن هناك من سيقول لنا إنه يمكن التلاعب بها، ولا نستطيع الوثوق بها أوالركون إليها، أم أنها تصلح للقراءات الثقافية العامة والتحليل الاجتماعي أكثر من التاريخ؟
على مواقع التواصل الاجتماعي اليوم «صراخ تاريخي»، إن جاز التعبير، كل ما يمكن تخيله يناقش وبقوة: الروايات الرسمية والمعتمدة للأحداث والوقائع، الروايات المضادة، الرؤى الغرائبية.. صحيح أن الكل يتصارعون على قضية تمسهم في الراهن ذات جذور تاريخية، لكن السؤال.. أين المؤرخ من كل ذلك؟ وهل يؤثر كل هذا الزخم في الصرامة العلمية للتاريخ؟ وفي الجوهر والأصل هل اتسم التاريخ في يوم ما بتلك الصرامة، ألم يكتب أشد المؤرخين منهجية وفق ذائقة المنتصر أو استجابة لأهواء سياسية أو تحيزات طبقية.
في الأصل لم يكن التاريخ يوماً موضوعياً، لكن مختبراته ومدارسه كانت تحاول ضبطه بشتى الوسائل، فهل بإمكانها فعل شيء لكبح جماح الفوضى التاريخية في مواقع التواصل الاجتماعي؟