د. باسمة يونس

تخطو الآلات اليوم بخطواتٍ أسرع من البشر، وأصبحت الخوارزميات قادرة على التنبؤ والتفكير بالمستقبل، لكننا نعلم أنها لا تملك ضميراً، وتحتاج إلى من يحرس القيم الإنسانية فيها ويعيد تشكيل الذكاء ذاته، مثل المرأة.
إن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمرأة ليست علاقة خوف أو إعجاب، بل علاقة مسؤولية متبادلة؛ فالذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل العالم ورسم المستقبل، لكنه لن ينجح إلا بقلبٍ بشريّ وبصيرة أنثوية تعرف كيف توازن بين المنطق والعاطفة، بين الحساب والحدس.
ورغم أن نساء كثيرات عبّرن عن أحلامهن، وأدخلن القيم الإنسانية في صلب الخوارزميات لتحويل الذكاء الاصطناعي من أداة إلى شريك، فإن الدراسات تشير إلى أن الأتمتة تهدّد وظائف تشغلها النساء بنسبة أكبر، خصوصاً في القطاعات الإدارية والتعليمية ليتبدى السؤال عما إذا كان المستقبل للمرأة التي تجيد التفاهم مع الآلة، وتتقن لغة التكنولوجيا، وتفهم فلسفتها لتقود التحول بدل أن تُقاد به.
لقد خاضت المرأة معاركها الأولى ضد القيود الاجتماعية، والثانية ضد الصور النمطية في سوق العمل، وها هي اليوم تخوض معركتها الثالثة، معركة الوجود والتمكين في عصر الذكاء الاصطناعي لتعيد تعريف معنى الحلم والعمل والذات والحرية.
في الحقيقة، لطالما كانت أحلام النساء مشروعاً مؤجلاً عبر العصور، حلمن بالتعليم، ثم بالعمل، ثم بحق الاختيار والاعتراف ومع ظهور الذكاء الاصطناعي، بدا وكأنّ تلك الأحلام على وشك أن تتحقق، فالآلة لا تتحامل ولا تتحيّز ولا تميّز بين رجل وامرأة.
لكن الواقع التقني أثبت أن الخوارزميات ليست محايدة؛ لأنها بُنيت من بيانات العالم نفسه، بكل ما فيه من تحيّزات وصور متجذرة في اللاوعي الجمعي. وهكذا، فقد تعيد صياغة إقصاء المرأة بطرق أكثر «ذكاءً» بدلاً من فتح أبواب الفرص أمامها. فحين تُستخدم الخوارزميات في التوظيف أو التقييم الأكاديمي، تتغذى على بيانات ماضية كرّست التفوّق الذكوري، فتُعيد إنتاجه.
ورغم تلك المفارقة، فإنّ الذكاء الاصطناعي يمنح النساء فرصةً تاريخية غير مسبوقة لإعادة رسم أدوارهن في العالم. فالمرأة اليوم تستطيع أن تؤسس مشروعاً رقمياً دون رأسمال ضخم، وأن تبتكر منتجاً أو محتوى يصل إلى الملايين دون وسطاء، وأن تعبّر عن ذاتها بلغة عالمية لا تحدّها الجغرافيا.
إن العالم الذي تكتبه الخوارزميات لا يحتاج فقط إلى المبرمجين، بل إلى الحالمات أيضاً، إلى نساءٍ يعرفن أن التقنية لا تُغيّر العالم إلا إذا غيّرت أولاً نظرتنا إلى الإنسان.

[email protected]