عبدالله السناوي
في شبه صمت عربي مطبق مرت القراءة الأولى لمشروع قانون «إعدام الأسرى الفلسطينيين» من الكنيست الإسرائيلي. لا احتجاجات مسموعة ولا اعتراضات مؤثرة.
لم تكن هذه المرة الأولى، التي يصوت فيها الكنيست بالقراءة الأولى على مشروع قانون لإعدام الأسرى الفلسطينيين، فقد طرح المشروع نفسه لمرات عديدة سابقة مع إدخال تعديلات عليه بكل مرة من دون أن تمضي الإجراءات إلى آخرها، لفداحة التشريع وخشية ردات الفعل عليه بالمجتمع الدولي.
الإلحاح على استصداره مرة بعد أخرى لافت بذاته. الظروف السياسية هذه المرة أكثر تعقيداً، لكنه قد يصدق عليه في نهاية المطاف.
بأي قياس سياسي وإنساني وقانوني، فإنه تطور خطِر يهدد حياة آلاف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية بالمخالفة لأية قواعد عدالة يعرفها العالم.
حسب مشروع القانون، فإن القضاة مجبرون على الحكم بإعدام «كل فلسطيني متهم بالقتل إسرائيلي يهودي بسبب هويته». بافتراض العكس، فلا تهمة ولا إعدام! كان ذلك داعياً إلى وصف مشروع القانون ب«العنصرية».
ثم كان النص على طريقة الإعدام بالحقن السامة تحت إشراف طبي داعياً إلى اعتراض ممثل نقابة الأطباء، الذي جرى طرده من اجتماع بالكنيست. لم يكن اعتراضه على مبدأ الإعدام، بل على إقحام الأطباء بالشراكة في جريمة القتل.
تضاربت المواقف في الدولة العبرية بين وصف مشروع القانون بأنه «أخلاقي بصورة غير مسبوقة» وبين إدانات حقوقية متواترة قالت إنه يضع إسرائيل في أزمة جديدة مع المجتمع الدولي.
لم يكن الوزير المتطرف ايتمار بن غفير وحده. أحزاب الائتلاف الحكومي وعلى رأسها كتلة الليكود، التي يترأسها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقفت في الصف نفسه.
كان لافتاً الربط ما بين إقرار القانون والانتخابات المقبلة. تعهدت الحكومة بالانتهاء منه قبل الاستحقاق الانتخابي، كأنه شهادة لصالح سياساتها وأشخاصها.
ما يهم نتنياهو قبل أي شيء آخر مستقبله السياسي مدعوماً من اليمين المتطرف قبل أي انتخابات قد تجري مبكراً.
الصخب إسرائيلي.. والصمت عربي. أخطر ما في مشروع القانون أنه يضع آلاف الأسرى والمعتقلين بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 في نطاق الإعدام المحتمل خلال تسعين يوماً من الحكم عليهم.
أوضاع الأسرى داخل السجون الإسرائيلية مروعة إلى حدود غير متصورة، تعذيب منهجي بكافة الطرق والوسائل، وحرمان من الحد الأدنى للغذاء. ما حدث في معسكر «سدية تيمان» أبشع من أن يكتب على ورق، حيث انتهكت أجساد وحرمات بثت في مقاطع فيديو نشرتها القناة (12) الإسرائيلية.
يستلفت الانتباه في تصويت الكنيست هذه المرة، كما في مرات سابقة، غياب كتل المعارضة الإسرائيلية الرئيسية.
لم تكن تلك مصادفة. إنه فعل مقصود لإنفاذ هذا القانون العنصري المشين من دون تحمل مسؤوليته.
تركت المهمة لبن غفير، كأنه قانونه الشخصي فيما هو يدمغ الدولة العبرية كلها بأسوأ الأوصاف أمام المجتمع الدولي والضمير الإنساني.
«أنت رجل له سجل حافل في سفك الدماء الإسرائيلية واليهودية يا وزير الدغدغة والبقلاوة»! هكذا خاطب أحد أعضاء الكنيست الغاضبين بن غفير في نقاشات ساخنة داخل لجنة الأمن القومي، قاصداً أنه يعمل على دغدغة مشاغر اليمين المتطرف وأخذ صورة من يدافع عنهم بغض النظر عن أي اعتبار، أو قيمة إنسانية.
إننا أمام حالة محمومة لرغبة الانتقام من الفلسطينيين كلهم، مقاومين ومدنيين على السواء، بذريعة أحداث السابع من أكتوبر، التي أفضت إلى انكشاف إسرائيلي عسكرياً واستخباراتياً، كما لم يحدث من قبل.
في حسابات وتعقيدات اللحظة الحالية تبدو إسرائيل أمام انكشاف من نوع آخر، أمام نفسها هذه المرة. بتعبير افيغدور ليبرمان وزير الدفاع الأسبق والمعارض الحالي، الذي تبنى مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين نسخة عام 2018، فإن هناك تغييراً جوهرياً في الشرق الأوسط، «لكنه ليس لصالحنا». الاستنتاج نفسه يعكس عمق المأزق الإسرائيلي الحالي.
هناك فعلاً حسابات وترتيبات أمريكية جديدة في الشرق الأوسط، لكنها تصب في صالح إسرائيل وليست ضدها.
لقد فشلت حكومة نتنياهو في حسم الحروب المفتوحة وغاب عنها أي أفق سياسي لليوم التالي.
هذا ما يذهب إليه ليبرمان، لكنه يغفل أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استهدفت إنقاذ إسرائيل من نفسها حتى لا يجري فرض العزلة الدولية عليها بسبب وحشية حربي الإبادة والتجويع في غزة. وفق خطة ترامب فرضت وصاية أمريكية على القرار الإسرائيلي، لكن لصالحها وليس ضدها.
التصعيد في ملف الأسرى ربما يستهدف هذه المرة نوعاً من المناورة مع الإدارة الأمريكية حتى يكون ممكناً الاستجابة لكامل تصوراتها لمهام القوات الدولية، المزمع تشكيلها وفق قرار مجلس الأمن الدولي، أن تتولى بالقوة نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وليس «حماس» وحدها.
«إن لم يحدث ذلك فسوف تتولى إسرائيل القيام بالمهمة»، على ما قال نتنياهو محذراً ومهدداً، على الرغم من أنه فشل في إنجازها على مدى عامين كاملين.. التحديات تفرض نفسها على العرب جميعاً، وليس الفلسطينيين وحدهم.