يسرا عادل
*المشهد الأول: جنازة تشيني... حين تودّع النخب نفسها
في صباح بارد أمام الكاتدرائية الوطنية في واشنطن، اصطفت الوجوه التي طالما صنعت نصف قرن من السياسة الأمريكية: جورج دبليو بوش، جو بايدن، كامالا هاريس، مايك بنس، وجمهرة من الجمهوريين والديمقراطيين الذين تناحروا في الملفات الكبرى ثم عادوا ليجتمعوا تحت سقف الموت احتراماً لرمز من رموز «النخبة القديمة» ونهج أمريكي اعتدنا عليه. كانت جنازة ديك تشيني، نائب الرئيس في عهد بوش الابن، أكثر من وداع لرجل، كانت اختباراً لآخر ما تبقى من الأعراف التي صاغت الدبلوماسية الداخلية الأمريكية.
لكن ما بدا لافتاً ليس من حضر... بل من غاب. لم يُدعَ دونالد ترامب، ولا نائبه ولا رموز تياره، لكنه اختار أن ينأى بنفسه أيضاً، فلم يكلف نفسه عناء «الحد الأدنى من المجاملة الوطنية» لم يصدر بياناً ولا حتى تغريدة ترثيه.
هكذا تحوّلت الجنازة إلى مرآة تكشف الشروخ داخل النخبة الأمريكية: لم يعد هناك اتفاق على معنى الإرث السياسي، ولا على من يستحق ثقل الاحترام الوطني، ولا على رموز الشرعية نفسها. وفي لحظة وداع، بدا أن الأمريكيين يشيّعون مع تشيني زمناً كاملاً من «الدبلوماسية الداخلية» التي كانت تُدار بالصمت واللمسات الموزونة، لا بالصراخ والقطيعة.
لقد انفرط عقد البروتوكول، وأصبح الموت نفسه عاجزاً عن جمع المتخاصمين. وإذا كان احترام الرموز أحد أعمدة السياسة التقليدية، فقد كشفت الجنازة عن أن هذا العمود يتداعى، وأن الدولة باتت أقرب إلى ديمقراطيات قلّ فيها وزن الطقوس الجامعة، وتعاظم فيها أثر الشعبويات على حساب الهندسة الهادئة للهوية الوطنية.
لقد كانت جنازة تشيني إعلاناً عن أن واشنطن تدخل عصراً جديداً: عصر تُقاس فيه الشرعية لا بتراكم الخدمة العامة، بل بمدى القدرة على هزّ خصوم الداخل، وانتزاع الصوت الأعلى في زحام الانقسامات.
*المشهد الثاني: لقاء بولارد... حين تنفلت الدبلوماسية من قيودها
وإذا كان وداع تشيني قد كشف ارتباك الأعراف داخل الأسوار، فإن ما حدث وراء البحار كان أكثر صدمة، إذ خرج الجاسوس الأمريكي السابق جوناثان بولارد الذي أدين رسمياً بنقل أسرار استراتيجية إلى إسرائيل، وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة قبل أن يخرج عام 2015، ليعلن لصحيفة «نيويورك تايمز» أنه عقد اجتماعاً سرياً مع السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي.
اللقاء لم يكن على جدول السفير، ولم يُبلغ به البيت الأبيض، ولا الCIA، ولا أي جهة يُفترض أن تمسك بخيوط العلاقة الحساسة بين الرجلين. وما إن ظهر الخبر حتى دوّى القلق داخل الأجهزة الأمنية الأمريكية: كيف يجتمع ممثل واشنطن الرسمي مع رجل بقي اسمه لعقود رمزاً للجرح الاستخباراتي الأعمق بين الولايات المتحدة وإسرائيل؟
إسرائيل نفسها كانت قد قاتلت طويلاً للإفراج عنه، ثم استقبلته عام 2020 استقبال الأبطال حين رُفعت القيود عن سفره وقدمت له بطاقة هوية إسرائيلية. أما واشنطن، فكانت تعتبر قضيته تذكيراً بحدود العلاقة مهما بلغت متانتها. لكن في لحظة واحدة، بدا أن تلك الحدود أصبحت قابلة للطيّ... أو التجاوز... أو التفاوض عليها ببرود غير مسبوق.
لقاء بولارد ليس مجرد حادثة دبلوماسية، إنه خرق بروتوكولي يضع علامات استفهام على قدرة الولايات المتحدة في ضبط علاقتها الاستخباراتية مع أقرب حلفائها. فإذا كانت واشنطن عاجزة عن فرض قواعدها على سفيرها، فمن الذي يضمن أن «أعراف الأمن القومي» ما زالت تتمتع بثقلها السابق؟ لقد كان هذا اللقاء إعلاناً عن أن السياسة الأمريكية مستعدة لإعادة تعريف المحرمات، تماماً كما فعلت في الداخل بجنازة تشيني.
بين جنازة ولقاء... أي دبلوماسية تريدها أمريكا؟ من وداع تشيني إلى مصافحة بولارد، بدت واشنطن كأنها تعيش اختبارين متوازيين: الأول: اختبار حدود المجاملة السياسية واحترام الإرث الوطني، حيث يتراجع البروتوكول أمام نزاعات الداخل وتقدّم الشخصنة على حساب الدولة. الثاني: اختبار القدرة على ضبط العلاقات الاستخباراتية والحفاظ على ثوابت الدبلوماسية الخارجية، في عالم تتبدل فيه التحالفات وتصبح فيه «السوابق» مجرد رأي يمكن تجاوزه.
هذان المشهدان لا يلتقيان في الظاهر، لكنهما يصنعان سؤالاً واحداً في الجوهر: هل تتجه الولايات المتحدة نحو سياسة تعيد تشكيل علاقتها بالمحرمات القديمة؟ في الداخل، شحّ التعاطف الرسمي مع الخصوم، وتراجعت «لغة الدولة» لصالح لغة المعركة. وفي الخارج، جرى التطبيع مع ما كان يُعدّ محظوراً استخباراتياً وأخلاقياً.
فهل نحن أمام أمريكا جديدة، تتعامل مع السياسة ببراغماتية لا تعترف بوزن الرموز ولا بقداسة الأعراف؟ أم أن هذه مجرد عثرة في طريق ديمقراطية اعتادت أن تنحني ثم تعود لتستقيم؟
السؤال لا يزال مفتوحاً، لكن المؤكد أن واشنطن - بين جنازة رجل دولة ولقاء جاسوس سابق - تبدو كمن يعيد صياغة معجمه السياسي، ويختبر للمرة الأولى: أيهما أولى... الولاء للطقس القديم، أم الولاء لبراغماتية زمن تتكسر فيه الهويات الكبرى تحت وقع الانقسام؟