عبدالإله بلقزيز
من أي زاوية نظرنا إلى ظاهرة الحرب، وبأي الأدوات والمفاهيم تناولناها، سنجدنا أمام ظاهرة ملغِزة تكاد أن تكون ممجوجةً عند السّواد الأعظم وعصيّةً على الاستقبال النّفسيّ والاجتراع الأَسْوغ. حتّى مَن ينخرطون فيها ويتورّطون، هذه الدّرجة أو تلك من التّورّط، يتحرّجون من إتيان أفعال الحماسة لها أو التّنويه بها. قد يلتمسون لها، ولأنفسهم فيها، وجوهاً من التّسويغ والتّبرير تقتضيها الحال، لكنّه التّبريرُ الاضطراريّ الذي لا يندفع إلى مديحها أو القول بلا بُدِّيّتها الأخلاقية.
لذلك كان الغالب على مسوِّغةِ الحرب والباحثين لها عن مشروعيتها أو عن مشروعيّة مشاركتهم فيها الادِّعاءَ بأنهم حُمِلوا عليها حمْلاً وأُكْرِهوا وما كانوا فيها راغبين، أو أنهم كانوا فيها في حالة دفاع عن النّفس ليس أكثر وما كانوا البادئين بها أو المبادرين إليها. إذا كانت هذه حال الحرب عند مَن ينخرطون فيها سعياً وراء مصالح يرتَؤون أنّها من طريق الحرب تأتي وتتحصَّل، فما عساها تكون حالها عند مَن تقع عليهم بقوّة الأمر الواقع فيصيرون ضحاياها؟!
من البيّن، إذن، أن صورة الحرب ظَلْماءُ في عيون الأكثر، وأن أحداً لا يجرؤ على الدّفاع عنها من حيث هي لغة تَخاطب بين البشر. إنها حفلة قتل جماعية لا غاية لها سوى الإفناء، ونشر الموت، وهي لذلك لا تتردّد في نَهك أيّ مبدأ: دينيّ أو أخلاقي أو سياسي. إنها لغة بَهْماءُ في النّطق بأي معنى إنساني، وليس لها أن تحظى بأي مقبولية حتى وإنْ دَرَجَت عليها الأعراف وباركَتْها شرائع وقوانين دولية، وهي، فوق هذا وذاك، لغة لا تليق بالتداول في المعيش الإنساني وفي حقل العلاقات الدولية.
ولمّا كانت الحرب حمّالةَ هذه المعاني المرذولة جميعها، ولمّا كانت هذه كلها تُخْتَصر في مفردات: القتل والفناء والموت، صار من الطبيعي أن ينأى الجميع بنفسه عن شبهة الصّلة بها حتّى حين تشتد به الحاجة إليها، مُوثِراً أن يشارِكَ في طقس إدانتها واستبشاعها لئلاّ يصير، في عيون المرتابين، هو المُدَان المستَبْشَع...
ولقد تمسّك كثيرون في التّاريخ - فلاسفةً ومفكّرين ودعاةَ سلامٍ ثمّ حركاتٍ مناهضةً للحروب - بحلمِ نهاية لهذا الكابوس تصحو منه الإنسانية على سلام أبدي تنعم فيه وتطوي به صفحات تلك الحروب الحوالك التي أفنت ملايين البشر، ودمّرتِ البيئةَ والحضارة والقيم الإنسانيّة. هو مجرّد حُلم، لكنّه حلم مشروع وإنْ كان من دون تحقيقِه المادي خرْطُ القتاد. ولكنّا نَعلم، على القطع، أنّ ما هو مشروع ليس في حُكم الإمكان المتاح دائماً، وهذا، بالذّات، ما عليه حال الحربِ والأملِ في معاينةِ نهايةٍ لها، بل لسنا نغلو حين نذهب إلى القول إن ذلك ليس فقط غيرَ ممكنٍ أو متاح، بل هو في حكم المستحيل الذي تتحوّل معه هذه الطّوبَى إلى وهم.
يكفينا تدليلاً على ذلك أن نشير إلى أمريْن: أوّلُهما أنّ وجود الحرب مقترنٌ، في التّاريخ، بوجود المصالح التي تَحْمِل على ركوب أهوالها قصْد تحقُّقها بالقوّة إنْ عزَّ لها التّحقُّق سلماً، ونحن نعلم أنّ الصّراع بين النّاس صراعٌ على المصالح، في المقام الأوّل، وليس من إمكانٍ لإنهاء الحروب إلاّ بإنهاء المصالح، ولا بإنهاء المصالح إلا بنهاية الإنسان! ثانيهما أنّ الحرب ومركزيّةَ دورها في الصّراعات فرضت، في مجتمعات البشريّة كافّة، اقتصادها الخاصّ بها (الإنفاق الدّفاعيّ بما فيه إنتاج الأسلحة وتنمية الجيوش...)، فكان أن قامت صناعات عسكريّة - دولتيّة وخاصّة- وتَوَلَّد من ذلك نشوء مصالح خاصّة وعامّة لا يمكن الحفاظُ عليها ولا تعظيمُها إلاّ بإشعال الحروب وتوفير وَقودها الحيويّ (نشر الأزمات في العالم).
يتعسّر في مثل هذه الأحوال التّطلُّع الطّوبويّ نحو عالمٍ خالٍ من الحروب رافِلٍ في السّلم. مع ذلك، يظلّ على عاتق كلّ المدافعين عن الإنسان وحقوقه أن يناضلوا من أجل السّلم والتّعايُش بين الأمم، وأن يفضحوا تجارة الحروب وتجّارها - دولاً وشركات - ويقاوموا، في الوقت عينه، سياسات العسكرة وتوسُّعَ اقتصادها على حساب الاقتصاد المدنيّ السّلميّ...إلخ.