الحسين الزاوي
بدأ العالم ينتقل خلال العقود الماضية من السلطة المادية المباشرة إلى سلطة أكثر حركة وسيولة قائمة على الرقمنة وهيمنة العالم الافتراضي على تمثلات الأفراد وعلى تصوراتهم بشأن كل ما يتصل بمحيطهم السياسي والاجتماعي، وسمح هذا التحوّل للقوى الكبرى، بامتلاك أدوات رقابة وسيطرة عالية الكفاءة. ويطرح هذا الواقع الجديد تحديات بشأن الصراع بين القوى العظمى التي تحاول فرض سلطتها اعتماداً على الأنظمة المعلوماتية، وإذا كانت الولايات المتحدة استطاعت أن تُثبت، حتى الآن، ريادتها في هذا المجال، فإن التطورات الراهنة تؤكّد أنها تواجه منافسة فائقة السرعة تزداد شراسة وبوتيرة مستمرة من قبل الصين والهند، بالشكل الذي يجعل رهان التعدّدية القطبية ينتقل من المجال الجيوسياسي إلى الفضاء الرقمي.
تعني الرقمنة بشكل عام النشاط الذي يؤدي الى تحويل المعلومات والمعطيات ومجمل الخدمات والأنشطة التي يقوم بها الإنسان من حالتها المادية المباشرة الى وضعية تأخذ فيها شكلاً رقمياً يسهل تخزينه ومعالجته وتطويره، ومن ثم تبادله على نطاق واسع عبر الوسائط والتقنيات الحديثة. ويمثل الإنترنيت في هذا السياق قطب الرحى، ويشير إلى البنية التحتية الرقمية القائمة على ما يمكن وصفه بشبكة مترابطة من الحواسيب والخوادم من أجل إتاحة الفرصة لإمكانية تبادل المعلومات انطلاقاً من قاعدة البينات الضخمة، ويعبّر إلى جانب معانيه التقنية عن ظاهرة متعدّدة الأوجه ترتبط بالسياقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويسمح في اللحظة نفسها بالتواصل الفوري، ويتيح إنتاج ونشر ومن ثم تداول المعطيات والمعلومات خارج إكراهات الزمان والمكان، بناءً على نماذج تفاعلية يعمل على توجيهها والتحكّم فيها مطوِّرو البرمجيات ومن يقف خلفهم من مؤسسات سياسية وأمنية.
ومن الواضح أن الرقمنة التي تعمل على تحويل كل ما له صلة بالأعمال والممارسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى أنساق تستند على منجزات عالم التكنولوجيا من قبيل الذكاء الاصطناعي وشبكات الاتصال والخوارزميات والبيانات، تحوّلت إلى سلطة خطرة وعالية الكفاءة، تسمح للدول وللشركات المتعدّدة الجنسيات التي تطوِّر بنيتها التحتية، بالتحكم في المعلومات وبإنتاج المعارف وتوظيفها لتحقيق مصالحها. ولمواجهة هذه الوضعيات الجديدة انعقدت في شهر إبريل/ نيسان سنة 2014، قمّة للإنترنيت العالمي في البرازيل، بالتوازي مع قيام العميل الأمريكي سنودن بكشف الممارسات التجسسية الأمريكية اعتماداً على التكنولوجيا الرقمية التي تطورها شركات وادي السيليكون. وقد تمثل طموح المشرفين على هذه القمة في إعادة النظر في قواعد الحوكمة العالمية للإنترنيت التي تهيمن عليها واشنطن على نطاق واسع.
يصبو العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ونهاية الحرب الباردة إلى ميلاد عالم متعدّد الأقطاب، لاسيما أن الهيئات الدولية التي من المفترض أن تلعب هذا الدور في توازن العلاقات بين الأمم قد أصابها الاهتراء مثل: الأمم المتحدة، المنظمة العالمية للتجارة، محكمة العدل الدولية، وهي الوضعية التي نتجت عنها حالة من الفوضى على مستوى العلاقات الدولية، ولعل الوضعية المأساوية التي شهدتها غزة، تمثل تجسيداً واضحاً لهذه الحالة، إذ إنه ورغم الجهود التي بُذلت من أجل وقف عمليات القتل، إلا أن الطيران الإسرائيلي ما زال يرتكب جرائم مروّعة ضد المدنيين.
ويأخذ الحديث عن الذكاء الاصطناعي مشروعيته في مثل هذه الأوضاع المتأزمة في سياق طرح أسئلة أخلاقية مشروعة تتعلق بمراقبة القوة في بعديها المادي والافتراضي على حد سواء، لاسيما في سياق وضعية عامة أبان فيها القانون الدولي عجزه عن وضع حد للقوة الغاشمة المستخدمة ضد الأطفال والمدنيين الأبرياء، حيث لعبت القوة الافتراضية التي تملكها دول لا تحترم القانون الدولي، دوراً داعماً وموجّهاً للقوة الغاشمة، كما حدث مع هواتف البيجر في لبنان، ومن ثم فإن المنافسة التقنية غير النزيهة بين الدول في مجال الرقمنة، تعرِّض العالم لمخاطر غير مسبوقة.
ويمكن القول إنه وفي سياق الانتشار السريع والمتزايد لسلطة الرقمنة، تبدو التعددية القطبية وكأنها باتت تمثل واقعاً جديداً لا يمكن تجاهله بالنظر إلى تزايد مستوى تقارب القدرات التكنولوجية للدول الكبرى، حيث إنه ورغم التفوق الرقمي الأمريكي الذي لا يمكن إنكاره، إلاّ أن الدول الآسيوية وعلى رأسها الصين والهند، تملك قدرات وخيارات تكنولوجية باتت ترعب واشنطن.