أخيراً هطلت الأمطار على إيران مسببة فيضانات في بعض مناطقها الغربية، بعد أسابيع من الجفاف أصاب ملايين الإيرانيين بشح المياه خاصة في العاصمة طهران، بعدما لجأت الحكومة الإيرانية إلى إجراءات الاستمطار بتلقيح السحب في مواجهة أزمة مياه غير مسبوقة.
كان ذلك ضرورياً بعد وصول مستويات المياه في السدود الخمسة التي تغذي العاصمة إلى أقل من نسبة عشرة في المئة واضطرار السلطات إلى قطع المياه عن عشرة ملايين من سكان العاصمة، لكن الأزمة لم تكن في انقطاع المياه عن الحضر، سواء في طهران أو مشهد وأصفهان وغيرها وإنما عدم توفر المياه للزراعة حتى في مناطق الجنوبية الغربية التي تُعد نسبياً أفضل من حيث تساقط الأمطار.
هكذا قامت الحكومة باستخدام تكنولوجيا حقن السحب التي تستخدم في دول الخليج العربية منذ سنوات، وتلك إحدى التكنولوجيات التي ابتكرها البشر منذ فترة لمواجهة الظروف الطبيعية سواء الناجمة عن التغيرات المناخية في السنوات الأخيرة أو غيرها.
تواجه إيران مزيجاً من تأثير تغيرات المناخ والسياسات المائية منذ نحو عشر سنوات على الأقل، فمعدلات تساقط الأمطار تتراجع إلى حد الندرة أحياناً، في الوقت الذي شكل الاستهلاك جوراً غير مسبوق على المياه الجوفية لسد العجز الناجم عن قلة المطر. وهكذا انخفض منسوب المياه في الأنهار إلى حد أن بعضها جف تماماً تقريباً بينما استنزفت المياه في باطن الأرض.
في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الإيرانيون جاءت أزمة المياه لتشكل تحدياً آخر للحكومة يضاف إلى العقوبات الصارمة والتحسب للتهديدات من إسرائيل وأمريكا، ورغم أن الجفاف الناجم عن التغيرات المناخية ظاهرة طبيعية تصيب تقريباً العالم كله حالياً، إلا أن الأزمة في إيران تجاوزت ذلك إلى أبعاد سياسة/اجتماعية.
حتى اقتراح الرئيس الإيراني بضرورة «نقل العاصمة» لمكان آخر لتفادي أزمة جفاف كالتي وقعت لم يلق سوى التندر من جانب الإيرانيين الذين يعلقون على مواقع التواصل والمدونات على الإنترنت، فالبعض تساءل في دهشة عن كيفية إخلاء عشرة ملايين نسمة ونقلهم إلى مكان آخر، بينما استغرب آخرون نقل سكان العاصمة إلى مكان آخر بينما موجات الجفاف تضرب أغلب الحواضر الإيرانية الأخرى.
لعل أزمة المياه الإيرانية الأخيرة أبرزت بشكل جلي أن الأمر في مواجهة تغيرات الطبيعة وتقلباتها يحتاج إلى سياسات حالية ومستقبلية تعتمد الاستدامة في توفير المتطلبات الأساسية، ومن أهمها المياه، وهنا يأتي توظيف التكنولوجيا ضمن السياسات العامة في هذا السياق. فما جدوى أن تتقدم في تخصيب اليورانيوم ولا تستخدم ذلك في مشروعات توفر الطاقة والمياه وغيرها من ضروريات الحياة للمواطنين.
بالطبع لم تفوت المعارضة الإيرانية للحكومة، في الداخل والخارج، فرصة أزمة المياه لانتقاد السياسات الحكومية المتعاقبة، وإن كان النقد تركز على الأغراض السياسية من دون أي حلول تخفف من معاناة المواطنين.
إنما فات على أغلب المنتقدين أن المشكلة هي في سياسة تطويع التكنولوجيا والعلم لتحسين أوضاع المعيشة للناس، وهنا يشار إلى أن علماء إيرانيين سبق وحذروا من أن كارثة جفاف كالتي حدثت ستقع ولن يكون هناك من سبيل لمواجهتها إلا بسياسات مائية مستدامة منذ بدأت مستويات الأمطار تتراجع ومنسوب المياه الجوفية يقل قبل سنوات.
فتطور وتقدم الدول يعتمد على قدرتها في الاستفادة من علمائها والتكنولوجيا المتاحة لوضع سياسات تضمن الاستدامة وتفادي احتمالات الكوارث، فلم تكن أزمة المياه الأخيرة في إيران مفاجئة تماماً، إذا أن كل تقارير وأبحاث المياه والمناخ والبيئة التي عمل عليها علماء في جامعات إيرانية تشير إلى ذلك بوضوح، لكن السياسات الحكومية كانت دوماً تعتمد على أهداف مرحلية وآنية وليس العمل من أجل المستقبل.
ربما تعيد الأزمة الأخيرة الاهتمام بالعلم والتكنولوجيا وتعديل السياسات بما يحقق الاستدامة، ليس فقط بالنسبة لإيران، ولكن بالنسبة لكثير من دول العالم التي تتجاهل أحياناً العلم والتكنولوجيا في سياق توجهات سياسية آنية على أمل أن ذلك «يضمن الاستقرار».
الجفاف في إيران.. والطبيعة والتكنولوجيا
26 نوفمبر 2025 01:09 صباحًا
|
آخر تحديث:
26 نوفمبر 01:09 2025
شارك