يونس السيد

يحكى أن مدينة أمريكية اسمها نيويورك استفاقت ذات يوم على وقع زلزال ترددت أصداؤه في تل أبيب، بعد أن هبت رياح التغيير على مدينة لطالما اشتهرت بأنها مدينة المال والأعمال، لكنها عرفت أيضاً بأنها واحدة من أهم مدن العالم على مختلف الصعد الاقتصادية والسياسية والإعلامية.
انتفضت نيويورك ونفضت عنها غبار عقود من السنين ظلت خلالها حاضنة للنخب السياسية الموالية لتل أبيب من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ما أثار الذعر في كل أرجاء إسرائيل من خسارة مدوية لنفوذ قد يصعب تعويضه في الأيام والشهور والسنوات المقبلة. لكأن هذه المدينة التي تذكرنا برواية «قصة مدينتين» التي كتبها الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز إبان الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، أرادت اختزال قصة هاتين المدينتين، لندن وباريس، في قصة مدينة واحدة اسمها نيويورك، مع اختلاف الأحداث والتفاصيل بالطبع، وإن تقاطعت في كثير من الأحيان مع بعضها البعض.
فمنذ ظهور الولايات المتحدة قوة عظمى منتصرة في الحرب العالمية الثانية، تحولت نيويورك إلى مركز اقتصادي عالمي وعامل جذب لرؤوس الأموال ورجال الأعمال، لكنها سرعان ما وجدت نفسها خاضعة لنفوذ وهيمنة اللوبيات الموالية لإسرائيل مع تبني النخب الاقتصادية والسياسية السردية الإسرائيلية. لكن سبب الذعر الإسرائيلي لا يعود فقط إلى انتخاب زهران ممداني الديمقراطي اليساري لمنصب عمدة المدينة، ولا إلى آرائه المناهضة لحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، أو حتى تصريحاته المعلنة حول اعتقال نتنياهو حال دخوله المدينة تنفيذاً لمذكرة المحكمة الجنائية الدولية، وإنما لخشيتها من خسارة ذلك النفوذ وتلك الهيمنة التي استمرت عقوداً طويلة. والأهم هو إدراكها طبيعة التغيير الناجم عن التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها الولايات المتحدة عموماً وتراجع السردية الإسرائيلية لصالح القضية الفلسطينية.
مكمن الخطورة هو أن جيلاً كاملاً من الشباب الأمريكي يمثله ممداني باتت تتشكل لديه قناعات مغايرة تماماً لما كانت تنشره اللوبيات الموالية لإسرائيل وما تبثه الآلة الإعلامية الرسمية، وبات يعتمد على وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي التي لم تعد حكراً على أحد لتشكيل وعي مختلف تماماً تجسده الوقائع على الأرض ومدعوماً بما يشاهده على الشاشات من صور القتل والمجازر والدمار في قطاع غزة.
صحيح أن ممداني كان يشارك في احتجاجات طلبة الجامعات المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، خصوصاً في نيويورك وكولومبيا، للمطالبة بفك ارتباط الجامعات الأمريكية مع الجامعات ومراكز الأبحاث الإسرائيلية، لكنه كان يمثل جيلاً بأكمله أصبح ناضجاً للمطالبة بالتغيير ووقف إمداد إسرائيل بالسلاح، ووقف تمويل الحرب الإسرائيلية على غزة من جيوب الأمريكيين. لهذه الأسباب وغيرها لم تنجح ملايين الدولارات التي صرفت لإقصاء ممداني عن منصب عمدة نيويورك، ومن هنا بات يخشى من انتقال هذه العدوى إلى مدن وولايات أخرى، وربما تمتد إلى أوروبا والعالم.