د. باسمة يونس

ليس شهراً كبقية الشهور ولا هو نهاية زمنية تعلن انتهاء العام، بل هو شهر الضوء الذي تضيء فيه منجزات العام بوهج الثقافة ويتجهز ليكتب فصلاً جديداً لعام قادم بأسلوب لا يعترف بالنهايات، بل يعيد صياغتها بوصفها بدايات نحو عام جديد.
وكما تواصل دولة الإمارات طريقها الذي مضت فيه منذ أكثر من خمسة عقود، طريق الإبداع، وبناء مجتمع المعرفة، وتقدير الإنسان تأتي بوادر ديسمبر لتتوهج معه الأمكنة بشيء يشبه الاحتفال الداخلي، ذلك الاحتفال غير المعلن الذي يشعر به كل من يعيش على هذه الأرض، وتزداد الإضاءة في الشوارع، لكن ما يلمع حقاً هو ذاكرة مجتمع صنع وجوده بالعمل وبالأمل لا بالصدفة.
إنه موسم تستعاد فيه الدهشة الأولى، عن كيف بدأت الحكاية الصغيرة على الساحل، وكيف صارت اليوم واحدة من أكثر التجارب الإنسانية إلهاماً على صعيد البناء، والتسامح، والمعرفة، والتنمية.
إنه شهر التأمل في الجذور وفي المسيرة التي امتدت منذ قيام الاتحاد عام 1971 وحتى اليوم، حيث تبلغ الإمارات عامها الرابع والخمسين، وهي تقف ثابتة، مضيئة، واثقة من رؤيتها التي تمضي بها نحو المستقبل كما لو أنها تودّع عاماً من الإنجاز كي تستقبل عاماً آخر بمزيد من الشغف.
ويمتلئ ديسمبر بالفعاليات الثقافية، حتى ليبدو وكأنه مهرجان متواصل للهوية واللغة والفن والتاريخ ويتحول كل ركن في الدولة إلى مساحة تُعرض فيها المنجزات التي جاءت من أحلام مؤسسيها وتحصد الجهود الثقافية التي تؤكد أن الثقافة كانت وما زالت شريكاً أصيلاً في التنمية.
وفي قلب هذا الشهر، يسطع يوم ليس ككل الأيام، وهو اليوم العالمي للغة العربية الذي يرفع فيه العالم كله راية اللغة التي كتبت تاريخ الثقافة العربية.
وهنا، في دولة تستأنف الحضارة بهويتها العربية يأخذ هذا اليوم معنى مختلفاً، فهو ليس مجرد احتفال لغوي، بل تذكير بأن اللغة العربية كانت ولا تزال نواة الهوية الثقافية، وخيطها الأشد عمقاً.
ولأن العربية في الإمارات لم تكن يوماً لغة الماضي، بل لغة المشروع المستقبلي، فإن الاحتفال بها في ديسمبر يجيء دائماً بصيغة الحضور القوي للمشاريع والمبادرات الرائدة التي تعكس رؤية الإمارات لدعم العربية بوصفها لغة العالم القادم لا الماضي المنسي.
يبلغ عمر الدولة في ديسمبر عاماً جديداً، لكنه عام يُشعر العالم بأن الإمارات أصغر عمراً من طموحها، وأكبر أثراً من زمنها، فالدولة التي استطاعت خلال نصف قرن أن تنتقل من اقتصاد محلي بسيط إلى اقتصاد منفتح ينافس كبرى الدول، نجحت أيضاً في جعل الثقافة جزءاً من مشروعها الوطني، لا ترفاً، بل ركناً من أركان قوتها الناعمة.

[email protected]