د.صلاح الغول
طبقاً لقوات «اليونيفيل» الدولية، بلغت الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان منذ توقيعه في نوفمبر 2024 أكثر من 10 آلاف انتهاك. ويشير رصد الحوادث المبلّغ عنها بواسطة مصادر رسمية لبنانية إلى أن القوات الإسرائيلية استهدفت خلال الشهر المنصرم أكثر من 76 هدفاً مختلفاً على الأقل في لبنان، شملت حوادث اغتيالات مستهدفة، وتفجيراً لمنازل ومستودعات ومخازن ومواقع تابعة لحزب الله، أو لمسلحين في جنوب لبنان وفي محافظات النبطية وبعلبك والبقاع، راح ضحيتها عدد من المدنيين اللبنانيين.
بيد أن أخطر الهجمات الإسرائيلية وقع في 23 نوفمبر المنصرم، عندما شنّت إسرائيل غارة جوية استهدفت مبنى سكنياً في حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت، ما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص على الأقل - بمن فيهم هيثم علي طبطبائي، المسؤول العسكري الأول بحزب الله أو رئيس أركان قواته، وإصابة أكثر من عشرين آخرين. ويمثل هذا الهجوم الأول من نوعه منذ شهور، الذي تستهدف فيه إسرائيل بيروت.
ورداً على ذلك، أكّد حزب الله أنّ إسرائيل تجاوزت «خطّاً أحمر جديداً» باغتيالها الرجل الثاني في حزب الله، وأنه يدرُس الرد على السلوك الإسرائيلي. كما صدرت تصريحات إيرانية بشأن «الانتقام» لمقتل طبطبائي. ومن ثم، عمد الجيش الإسرائيلي إلى تعزيز مواقعه ودفاعاته الجوية على طول الحدود مع لبنان استعداداً لردّ محتمل من حزب الله.
والواقع أنّ اغتيال طبطبائي حصل ضمن سياقات سياسية وأمنية تُشير جميعها إلى تزايد خطر اندلاع حرب جديدة بين إسرائيل وحزب الله. فقد عززت إسرائيل قواتها العسكرية بالقرب من حدودها الشمالية مع لبنان، وأجرت تدريبات عسكرية واسعة النطاق، تُحاكي القتال داخل الأراضي اللبنانية. كما اتهمت إسرائيل الحكومة اللبنانية بأنها لم تتخذ خطوات ملموسة لنزع سلاح الحزب، وأن الحزب يُعيد تسليح نفس منتهكاً بذلك الهدنة، محذّرةً من أن الجيش الإسرائيلي «سيتخذ الإجراءات اللازمة» إذا لم تُفلح الحكومة اللبنانية في نزع سلاحه.
وفي السياق ذاته، اتهم المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم برّاك، مراراً السلطات اللبنانية بعرقلة جهود نزع السلاح، وحذّر من الحاجة الماسّة إلى إحراز تقدّم ملموس لتجنّب تصعيد عسكري إسرائيلي جديد ضد حزب الله أو لبنان. وقد تزامن ذلك مع ضغوط دبلوماسية أمريكية متزايدة لتسريع خطوات نزع سلاح الحزب.
وعلى الرغم من أن حزب الله يتعرّض لضغوط للرد على اغتيال رئيس أركانه هيثم طبطبائي، فإن ضعفه سيجعل رده محدوداً إن حدث. ومن المرجح أن يُشجع هذا إسرائيل على تصعيد غاراتها الجوية على لبنان، واغتيال المزيد من قادة حزب الله، لإضعافه أو المساعدة على تنصيب قادة أكثر استعداداً لنزع سلاحه.
وفي السياق ذاته، إذا كانت لدى إسرائيل معلومات استخباراتية تُفيد بأن حزب الله قد ضعف بما يكفي ليتمكن الجيش الإسرائيلي من شنّ حملة عسكرية كبيرة قصيرة المدى تُضعف بشكل كبير قدرات الحزب المتبقية وتعيده إلى الوراء سنوات عدة، فمن المرجح أن تغتنم إسرائيل الفرصة للقيام بذلك. وإذا أظهرت استطلاعات الرأي تراجع الدعم لنتنياهو مع اقتراب الانتخابات العام المقبل، فقد يخاطر بشنّ حملة إسرائيلية كبرى على الجبهة اللبنانية، لمحاولة حشد المزيد من الدعم.
وعليه، فإن الولايات المتحدة ما لم تمارس ضغطاً دبلوماسيّاً مستمراً على إسرائيل، كما فعلت في غزة، فمن غير المرجح أن تُعدّل إسرائيل نهجها تجاه تهديدات حزب الله المزعومة. ولكن، حتى هذا النفوذ الأمريكي يبدو محدوداً، إذ ينقسم اهتمام واشنطن الآن بين إنفاذ وقف إطلاق النار في غزة والتوسط في اتفاقية أمنية بين إسرائيل وسوريا.
وعليه، فمن المرجح أن تُكثّف إسرائيل هجماتها على لبنان في الأشهر المقبلة، في صورة حرب استنزاف ضدّ حزب الله. وسيشمل ذلك توسيع النطاق الجغرافي ووتيرة وشدة هجماتها في لبنان، ومن المُرجّح أن تمتدّ هذه الضربات إلى ما وراء الجنوب لتشمل بيروت ووادي البقاع.
وفي غضون ذلك، ستُكافح الحكومة اللبنانية للدفع بأيّ خطة داخلية حقيقية لنزع السلاح أو الإصلاح، ما قد يُؤدّي إلى شلل في صنع السياسات في بيروت، وزيادة الضغط السياسي على الحكومة من قِبَل الجماعات المُناهضة لحزب الله، مثل القوات اللبنانية. وسيزيد هذا الوضع خطر انهيار الحكومة اللبنانية، وهو ما قد يحدُث إذا استقال وزراء رئيسيون، ما يجعل الحكومة غير شرعية على أسس طائفية، أو إذا قرّر رئيس الوزراء نواف سلام، المحبَط من تعثر التقدّم في ملف نزع سلاح حزب الله، التنحّي.
ومع ذلك، إذا فشلت الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية لنزع فتيل التوتر في لبنان، وإذا فشلت الضربات العسكرية الإسرائيلية في تحقيق أهدافها، أو إذا قرّر حزب الله الرد على الهجمات الإسرائيلية المتوالية، فستشنّ إسرائيل حرباً جديدة على لبنان، ما سيؤدي على الأرجح إلى انهيار الحكومة اللبنانية، وتأجيل الانتخابات البرلمانية اللبنانية لعام 2026 إلى أجلٍ غير مسمى.