أحمد مصطفى

يعرّف العقاب الجماعي قانوناً بأنه «فرض العقاب على مجموعة من البشر بسبب أفعال عدد قليل من أعضائها، سواء جاء العقاب في شكل أحكام جنائية أو إدارية أو أي شكل آخر من أشكال المصاعب التي تفرض على أشخاص ليسوا مسؤولين عن الفعل المعنيّ». ويحظر القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان العالمية العقاب الجماعي، خاصة «خلال الصراعات إذ يعد جريمة حرب» حسب توصيف اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

في العقود الأخيرة، توسع استخدام العقاب الجماعـــي، إما في الصراعات بين الدول والكتل العالمية، أو حتى داخل بعض الدول تجاه مجموعات معينة من السكان. وفي ظل الصعود المطرد لليمين المتطرف في الغرب والأصولية المتشددة في الشرق، أصبح تجاهل القانون الدولي والإنساني أمراً شائعاً، ويتم تبريره بشعارات من قبيل المصلحة الوطنية العليا أو الأمن القومي.

ربما يكون المثال الأبرز على العقاب الجماعي هو ما تفعله سلطات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وكانت أبشع صوره في قطاع غزة. لكن الأمر ليس قاصراً على غزة، بل إن ما تفعله قوات الاحتلال، والمستوطنون المسلحون في قرى وبلدات ومخيمات الضفة الغربية، ومنذ سنوات، هو من أبشع أشكال العقاب الجماعي. إذ تُدمّر البيوت، وتُحرق الزراعات، ويُقتل الناس أو يُطردون من أرضهم، بهدفٍ واضح هو «التطهير العرقي» لإفساح المجال للتوسع الاستيطاني غير القانوني.

لكن لأن إسرائيل اعتادت ضرب عرض الحائط بالقوانين والأعراف والقيم والقواعد، متشجعة بالدعم الغربي اللامحدود، فالعالم يغض الطرف عن عمليات العقاب الجماعي التي تمارسها منذ عقود. وفي النهاية هي قوة احتلال صدرت بحقها ترسانة من القرارات الدولية التي تجرّم أفعالها بحق السكان الأصليين من الفلسطينيين.

إنما للعقاب الجماعي أشكال أخرى، غير تلك التي يمكن أن تشهدها في صراعات مسلحة كما في فلسطين. فمثلاً بعض أشكال العقوبات الدولية أو الغربية على دول يعتبرونها «مارقة» لا تستهدف قيادات تلك الدول أكثر مما تشكل عقاباً جماعياً لشعوبها وأخذهم بجريرة أنظمة حكمهم.

هناك توجُّه حالياً، خاصة في الغرب الذي طالما وعظ بقية العالم في مجال الديمقراطية واحترام القانون وحقوق الإنسان، للتخلي عن تجريم العقاب الجماعي ولو نسبياً. يسهم في ذلك صعود تيارات شعبوية ويمينية متطرفة يقترب بعضها من حد العنصرية لا ترى حقوقاً أصلاً لغيرها من البشر، حتى لو كانوا من مواطني دولها.

لعل أوضح تعبير عن ذلك هو العداء المتصاعد للهجرة والمهاجرين، ليس فقط ممن يخالفون قوانين وقواعد الهجرة بل تجاه المهاجرين الشرعيين الذين أصبحوا بالفعل مواطنين بالتجنيس في الدول الجديدة أو من اللاجئين إليها بشكل قانوني.

هذا الأسبوع، قرر رئيس أقوى دولة في العالم حظر الهجرة إلى بلاده مما سماها «دول العالم الثالث». لم يكن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مفاجئاً أو خارج سياق توجهات سياساته من عداء للمهاجرين. بدأ ذلك في فترة رئاسته الأولى السابقة وزادت الوتيرة منذ عاد إلى البيت الأبيض مطلع هذا العام.

رغم أن ترامب عادة لا يحتاج إلى مبرر في قراراته الصادمة وسياساته التي لا تلتزم كثيراً بالقواعد والأعراف، لكنه هذه المرة استغل حادث إطلاق مهاجر أفغاني النار على جنود من الحرس الوطني في العاصمة واشنطن، على الرغم من أن إطلاق النار في قواعد الجيش ومراكز تدريبه أمر متكرر في أمريكا، ولأسباب لا تعلن، لأن التحقيق فيها عسكري داخلي في الأغلب. ناهيك عن أن إطلاق النار أمر شائع في الولايات المتحدة ولا تكاد تمر أيام إلا ويصحو الأمريكيون على حادث جديد يسقط فيه ضحايا.

في النهاية، فإن هذا الجندي أفغاني وليس أمريكياً من أصل ألماني أو إيطالي، فكل الأمريكيين مهاجرون باستثناء السكان الأصليين من الهنود. فلماذا إذن معاقبة كل الأفغان على فعلته؟ ولماذا التوسع في العقاب الجماعي ليطال كل الدول التي شهدت صراعات كان لأمريكا والغرب دور أساسي فيها؟.