د. باسمة يونس
ليس التسامح مجرّد ثقافة، بل نعمة كبرى لا تقلّ شأناً عن نعمة العقل، والطاقة الخفية التي تمنح الإنسان قدرة استثنائية على تجاوز أوجاعه من دون أن يتحوّل إلى وعاء للكراهية، وعلى مواجهة القبح من دون أن يخسر حساسيته للجمال. والتسامح في جوهره انتصار هادئ للروح على ظلالها، وارتقاء بالإنسان إلى مرتبة أعلى من مدار الغريزة والانتقام. إنه لحظة صفاء يدرك فيها المرء أن الآخر، مهما خالفه، ليس عدواً للوجود، وأن الاختلاف ليس ذريعة للعنف، بل دعوة للتكامل. ومن يستوعب هذا المعنى تتحرر طاقته الداخلية من قيود الأحقاد، فيتسع صدره للمعرفة، وتتفتح في عقله نوافذ لا حصر لها نحو الإبداع.
وحين يتسامى الإنسان فوق مشاعره الضيقة، يصبح قلبه فضاء رحباً، وتتحول مخاوفه إلى أسئلة، وأسئلته إلى رؤى، ورؤاه إلى مشاريع ملهِمة. فالحقد طاقة معتمة تستنزف الروح، وتقيّد الخيال، أما التسامح فهو طاقة مضيئة توسع أفق التفكير، وتطلق الإبداع من محابسه، وتصنع من الداخل أرضاً خصبة تتوالد فيها الأفكار. الإبداع لا ينشأ في أرض تنوء بالثأر، بل في قلوب تستطيع أن ترى في الآخر مرآة للذات، لا خصماً لها، وتستطيع أن تفهم أن الاختلاف هو الشرارة الأولى لكل فن، وكل تقدم، وكل ابتكار.
وإذا تحوّل التسامح إلــى ثقــافة عامة أصبحت المدن نفسها أكــثر قدرة عــلى الازدهار. فالتاريخ يشهد أن أعظم عصور الحضارة لم يــولد أيّ منها في بيئات منغلقة، أو مجتمعات متوجسة من الآخر، بل قامت في مدن جعلت التسامح قاعدة تبنى عليها المدارس، والمكتبات، والمتاحف، وتفتح فيها الطــرق أمام العــلماء، والحرفيين، والفنانين، فالــمدينة المتسامحة مدينة آمــنة، والمدينـــة الآمنة مدينة خلّاقة قادرة على صناعة مستقبلها.
التسامح ليس تهاوناً بالحقوق، ولا غفراناً ساذجاً للخطايا، وليس ضعفاً يتخفى برداء اللين، بل هو اعتراف بإنسانية الآخر، مهما اختلف، وإيمان بأن الحقيقة أوسع من أن يحصرها عقل واحد، أو تقبض عليها يد واحدة. هو فن العيش المشترك، ووعي بأن تنوع البشر ليس خللاً في نسيج الكون، بل حكمة إلهية، تقتضي المشاركة والتكامل.
ولم يكن التسامح غــريباً عن تراث العرب، فقد اعتمدوا عليه أســاساً لليقـــظة الفكرية التي غيّرت وجــه العالم. هــؤلاء، وغــيرهم، لم يغيّروا الــتاريخ بالقــوة، بل بالحكمـــة، وبقدرتهم على ترويض النفس، ورفعها فوق جراحها.
وهكذا هو التسامح الذي تبنته دولة الإمارات بوصفه نعمة تهذب القلب، وتطلق العقل، وتشيّد المدن، والبذرة الأولى لكل حضارة، والمفتاح السري لكل إبداع، واللغة التي تُعيد صياغة العلاقات الإنسانية على نحو يجعل العالم أكثر احتمالاً، وأكثر جمالاً.