يقف اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة عند مفترق طرق، في ظل ذرائع إسرائيل لعرقلة المرور إلى المرحلة الثانية لإبقاء الأزمة مفتوحة على المجهول، بالتوازي مع تعمدها تشتيت الانتباه بتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية وعزل القدس، في مسعى متطرف لاجتثاث فكرة الدولة الفلسطينية وإعدام أي فرصة لإقامتها على أرض الواقع.
وفق الخطة، التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتباهى بها طويلاً، وانتهت المرحلة الأولى منها بإطلاق كل الرهائن الإسرائيليين الأحياء في غزة وعددهم 21، كما تم تسليم جثث 27 آخرين مقابل 1968 أسيراً فلسطينياً، ومع ذلك لم تتوقف الحرب، وظل القطاع هدفاً للقصف والغارات على مدار الساعة، وفي نحو 10 أسابيع قتل وأصيب نحو 1400 فلسطيني، وازدادت الأوضاع الإنسانية سوءاً، ولم تلتزم إسرائيل بالحد الأدنى من كميات المساعدات المتفق عليها في الاتفاق، وتصر على فتح معبر رفح في اتجاه مصر بلا عودة لتنفيذ الخطة الخبيثة بتهجير السكان، وهو واحد من أخطر أهداف الحرب العدوانية، ويتكامل مع إعادة احتلال القطاع واستيطانه، وإلى الآن يتمسك الاحتلال بما يسمى «الخط الأصفر» ويرفض الجلاء عن أكثر من نصف القطاع الشرقي مروراً بمحور صلاح الدين جنوباً على الحدود مع مصر.
اليوم هناك معركة دبلوماسية جديدة حول المرحلة الثانية من الاتفاق، وليس هناك من ضمانات لتنفيذها بالكامل، وبالنظر إلى حجم الانتهاكات والاستخفاف الذي واكب المرحلة الأولى، فإن الآتي سيكون أكثر عبثاً وتنصلاً من الالتزامات، بالنظر إلى ما تتضمنه المرحلة الثانية من تعقيدات وتداخل بين الملفات الأمنية والإنسانية والسياسية وتباين المواقف إزاءها، وتشمل نزع سلاح «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة. والنقطة الأهم في هذه المرحلة تتصل بإنشاء قوة دولية للحفاظ على الاستقرار، وهي خطوة تواجهها عقبات كثيرة وتساؤلات عن العدد والعدة والمهام ومواقع انتشارها، في ظل عزوف غالبية الدول القادرة على المشاركة فيها، لأنها ترفض أن تكون وصية على قطاع غزة خدمة لمخططات إسرائيل. أما «مجلس السلام»، الذي يسوّق له ترامب ويريد أن يرأسه، فتركيبته وآليات حكمه لا تزالان غير واضحتين، تماماً مثل خطة إنهاء الحرب برمتها التي تحتاج إلى توضيحات جوهرية وجدول زمني دقيق لتنفيذ البنود الواردة في الخطة، كما تتطلب إجراءات عملية لكبح إسرائيل وإلزامها بالتعهدات المعلنة على رؤوس الأشهاد.
في الساعات القليلة الماضية سرت أنباء عن توبيخ أمريكي لإسرائيل وغضب ترامب نفسه من سلوك حكومة بنيامين نتنياهو، لكن في غياب الإجراءات العملية لإلزام تل أبيب بالاتفاق، لن يكون لذلك التوبيخ والغضب معنى، لأن القوة الغاشمة للاحتلال لا تريد لهذه الحرب أن تنتهي، وهي لم تتوقف أصلاً، بل تعمل على إفساد خطة ترامب وفتح جبهة جديدة في الضفة الغربية وربما إشعال حرب في لبنان. وكل هذه براهين ثابتة على أن إسرائيل، وفي ظل نهجها المتطرف الراهن، أصبحت صداعاً مزمناً للمجتمع الدولي، ولا تلوي على شيء غير الخراب والدمار، ولا تعترف بالقانون الدولي، ولا تلتزم بالمواثيق، ولا تؤمن بسلام.
صداع إسرائيلي للمجتمع الدولي
17 ديسمبر 2025 00:38 صباحًا
|
آخر تحديث:
17 ديسمبر 00:38 2025
شارك