جابر محمد الشعيبي*
عند دخول دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2026، الذي خُصص ليكون عام الأسرة الإماراتية، لا يُنظر إلى هذا الإعلان بوصفه مناسبة اجتماعية رمزية، بل باعتباره محطة وطنية تعكس فهماً عميقاً لطبيعة التحولات التي يمر بها المجتمع والاقتصاد معاً. ففي عالم تتسارع فيه الضغوط الاقتصادية والتكنولوجية، وتتزايد فيه التحديات المرتبطة بالهوية والتماسك الاجتماعي، تبرز الأسرة بوصفها البنية التحتية غير المرئية للاستقرار، والرافعة الأساسية للتنمية المستدامة، والضامن الحقيقي لمستقبل الأوطان.
منذ اللحظات الأولى لتأسيس الاتحاد، ارتبط مشروع الدولة بفكرة الإنسان والأسرة باعتبارهما جوهر البناء الوطني، وهو ما أكده مراراً صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، الذي جعل من الاستثمار في الإنسان محوراً لكل السياسات الوطنية. وقد شدد في أكثر من مناسبة على أن قوة الإمارات لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو سرعة نموها، بل بقدرة مجتمعها على الحفاظ على تماسكه وقيمه في زمن التحولات المتسارعة. ويأتي تخصيص عام 2026 للأسرة امتداداً عملياً لهذه الرؤية، وترجمة واضحة لفلسفة ترى في الاستقرار الاجتماعي أساساً لكل إنجاز اقتصادي.
وقد عبّر رئيس الدولة عن هذا التوجه بقوله: «الأسرة المتماسكة هي الأساس لمجتمع قوي، واستقرارها هو الضمان الحقيقي لمستقبل الأوطان». هذه المقولة لا تختزل رؤية اجتماعية فحسب، بل تؤسس لمنظور تنموي متكامل يرى في الأسرة ركيزة للإنتاجية، والاستقرار، وبناء رأس مال بشري قادر على مواكبة اقتصاد المستقبل.
المــؤشــــرات الـــدولــــــية تدعم هذا الربط بين الأسرة والتنميــة. فبحــسب تقــرير السعادة العالمـــي الـــصادر عن الأمم المتحدة، تواصل دولة الإمارات تصدرها عربياً وتقدمها عالمياً في مؤشرات جودة الحياة، ويُرجع التقرير جزءاً مهماً من هذا الأداء إلى قوة الروابط الأسرية، وشبكات الدعم الاجتماعي، ومســـتــــويـــــــــــات الأمـــــــــان والاستقرار، وهي عوامل ترتبط مباشرة بسلامة الأسرة ودورها في المجتمع. ويعكس هذا المؤشر أن الاستثمار في الأسرة ليــــس خياراً اجتــــماعياً فقــــــط، بل سياســــة اقتـــصادية ذكية طويلة الأمد.
ويمتاز عام الأسرة 2026 بأنه ينسجم مع خصوصية كل إمارة داخل الاتحاد، ضمن رؤية وطنية جامعة. ففي أبوظبي، يتجسد دعم الأسرة عبر سياسات اجتماعية متكاملة تربط بين الإسكان وجودة الحياة والتوازن بين العمل والحياة، بما يعزز الاستقرار الأسري في بيئة اقتصادية متقدمة. وفي دبي، يظهر نموذج الأسرة المنفتحة على العالم، المستفيدة من اقتصاد الفرص والعمل المرن وتمكين المرأة، ضمن بيئة عالمية تحافظ في الوقت ذاته على القيم المجتمعية الإماراتية.
أما الشارقة، فتقدم نموذجاً فريداً في الربط بين الأسرة والثقافة والتعليم، حيث تُعامل الثقافة كأداة لبناء الوعي الأسري وتعزيز الهوية في مواجهة التحولات. وفي عجمان، وأم القيوين، ورأس الخيمة، والفجيرة، يبرز نموذج الأسرة المتجذرة في المجتمع المحلي، حيث تلعب الروابط الاجتماعية والتكافل المجتمعي دوراً محورياً في الاستقرار الأسري، بالتوازي مع فرص التنمية السياحية والصناعية المتنامية.
اقتصادياً، لا ينفصل عام الأسرة 2026 عن رؤية الدولة للتنمية المستدامة. فالأسرة المستقرة تسهم في رفع الإنتاجية، وتقليل كلفة التفكك الاجتماعي، وتعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل، ودعم تنشئة أجيال قادرة على المنافسة في اقتصاد المعرفة. وتشير دراسات التنمية إلى أن المجتمعات ذات التماسك الأسري العالي تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية، وأسرع تعافياً في أوقات الأزمات.
ومع هذا الزخم، يصبح عام الأسرة فرصة لتحويل القيم إلى سياسات والمبادئ إلى مبادرات مستدامة. فتعزيز التوازن بين العمل والحياة، وتوسيع برامج الإرشاد الأسري، وتطوير مبادرات الصحة النفسية، ودعم الإسكان الميسر، وتمكين الشباب المقبلين على الزواج، كلها مسارات يمكن أن تشكل إرثاً وطنياً يتجاوز الإطار الزمني للعام نفسه. كما أن تعميق الشراكة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع سيضمن استدامة الأثر واتساعه.
في المحصلة، لا يمثل عام الأسرة الإماراتية 2026 احتفالاً اجتماعياً عابراً، بل إعلان استراتيجي بأن الإنسان والأسرة سيظلان في قلب المشروع الوطني. وهو تأكيد على أن دولة الإمارات، وهي تدخل مراحل أكثر تقدماً من النمو الاقتصادي والتكنولوجي، تدرك أن مستقبلها الحقيقي يبدأ من بيت متماسك، وأسرة واثقة، ومجتمع يرى في الاستقرار الأسري أساساً لكل تنمية مستدامة.
* كاتب وباحث إماراتي