في يناير من عام 2007، قامت «واشنطن بوست» بتجربة حيث استبدل جوشوا بيل، وهو أحد أشهر عازفي الكمان في أمريكا، ملابس حفلاته بقميص وقبعة بيسبول، ودخل محطة مترو «لانفانت بلازا» في واشنطن، حاملاً كمانه «ستراديفاريوس» الذي تبلغ قيمته 3.5 مليون دولار، وقام بالعزف من غير أن يلتفت له كثير من المارة. وبحسب كاميرا التجربة الخفية، فقد توقف سبعة أشخاص فقط للاستماع إليه من بين 1079 شخصاً مروا من جانبه، وجمع يومها 3217 دولاراً فقط.
بيل العازف الشهير يتقاضى على حفلاته التي يقيمها في أرقى الصالات مبالغ طائلة، وبرغم كونه ذات العازف إلا أن أحداً لم يلتفت إليه ولم يقدره حين عزف في المترو.
الأمر ذاته يتحدث عنه بعض المصريين، حين يُذكر تمثال رمسيس الثاني الذي كان موجوداً في ميدان رمسيس ولم يكن يهتم بوجوده إلا النخبة، لكن حين نقل للمتحف المصري صار معلماً يريد كل من يراه أن يتلقط صوراً أمامه.
كانت لي مع المرجان قصة مماثلة، إذ اشتريت لإحدى الصديقات عقداً من المرجان من تونس وهو الذي يعد بين المرجان الأكثر شهرة وجودة في العالم، لكنها أعطته لطفلتها ظناً منها أنه مجرد إكسسوار رخيص، وحين شاهدتني أرتديه في إحدى الحفلات وسمعت الإطراء عليه عادت إلى عقدها الذي اهترأ لأن طفلتها كان تلبسه وأخذته لأحد باعة المجوهرات وأعادت صياغته.
لا يمكن لأي شيء أو أحد أن يلقى الاهتمام اللائق والقدر الحقيقي حين يكون في مكانه الخطأ، ولا يمكن له النجاح مهما كان مميزاً حين لا يقدر مكانته أو يجبر الآخرين على احترامه من خلال احترامه لنفسه أولاً ومعرفة مكانته التي يستحق.
بعضنا يحاول جاهداً أن يثبت نجاحاته في بيئة عمله، لكن لا يلتفت له أحد ولا يعرف حقيقة جهوده، مهما كان ما يفعله مفيداً وهاماً، ويظل يتمسك بوظيفته ومكان عمله من غير أن يفكر في أنه إن خرج من هذا الباب بشكل نهائي ستفتح له أبواب النجاحات على مصاريعها لأنه كان في المكان الخطأ مع الأشخاص الخطأ، وهو ما قد يحدث مع العلاقات والصداقات وحتى الزيجات.
لابد من تقييم كل مكان وبيئة وعلاقة بين الفينة والأخرى، لنعرف ما إذا كنا في المكان الصحيح أو أننا مجرد عازفين هواة في مترو الأنفاق لن يلتفت إلى إبداعهم أحد.

[email protected]