أليس عجيباً أن يشغل القلم القرّاء الكرام بموضوع كأنه مقتطف من توضيح الواضحات في الحضانة؟ كأن الأولويات لدى الناس مقلوبة تنطبق عليها الدعابة «الأول من الذيل». لكن ما العمل والواقع هكذا، واقع من حالق؟
مأساة التنميات المتعثرة هي أنها لم تدرك الأهمية القصوى لترتيب الأولويات منذ عشرات السنين، لهذا ظل العالم العربي يتدحرج في انحدار متدرج. وإلّا فمن يتمنى أن تبقى نسبة البلدان العربية المتقدمة تنموياً أقل من 20%؟ كيف يقوم العمل العربي المشترك؟
عطفاً على رقمي المهندسين في الصين والولايات المتحدة، اللذين ذكرتهما مجلة «فورتشن»، ما هو سرّ صعود التنين منذ المسيرة الكبرى 1949؟ لقد رتّبت الأولويات ترتيباً منهجياً. الأهمّ إشباع البطون. علماء الاجتماع يقولون: «ليس ثمة بلدان متخلفة، بل ثمة شعوب سيئة التغذية».
صيحة ماو كانت مزلزلة حين أعلن بُعيد الثورة: «اليوم حققنا لكل صيني طبق أرز». ثمّ انطلق نحو تأمين أمن الصين بالسلاح النووي. ألم يكن على العرب أن يدركوا الضرورة الحيوية لهذا الترتيب الوارد نصّاً في الذكر الحكيم: «الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف» (قريش 4)؟ قضية أن عدد المهندسين الصينيين المتخرجين سنوياً، عشرة أضعاف نظرائهم الأمريكان، وراءها درس ومنهج. جامعات الصين غدت تحتل ستة مواقع أو سبعة بين العشر الأوائل عالمياً. تجاوزت هارفارد وبرينستون وجل الجامعات الأوروبية، ذلك قام على تطوير من الأساسي فصاعداً.
الأولويات لا تقبل تنظيراً سفسطائياً. لا يُبنى التقدم على إنسان جائع مريض وأمّي، مرتعد أمام الغزاة. الطريف أن الصين التي عرفت أن العلوم والتكنولوجيا قوة القوى ومفتاح المفاتيح، حالفها الحظ بسخرية، فالإمبراطور ماضٍ بلا أناة في قطع ميزانيات البحث العلمي الأمريكي، فصار الباحثون الأكاديميون ينقّبون في بلاد العالم عن بديل.
لا مفر من التعريج على هذا المنعطف بطريقة خلدونية، فالإمبراطوريّة تتدهور، فلا كوابح للقوانين والقيم، وساد قانون الغاب، وانحدر مستوى أكبر الجامعات، وفقدت مراكز البحث العلمي مهابتها، وتوارى رجالات الدولة، وصارت العصا هي لغة الخطاب والتعامل.
لزوم ما يلزم: النتيجة التشابكية: أرأيت كيف أن أدنى مساس بترتيب الأولويات، يُفسد اللعبة من الألف إلى الياء؟
[email protected]