ما الذي تستنتجه عندما تكتشف أن الفنون الكوميدية العربية يغلب عليها التهريج، وأن كلمات الأغاني جيّدها قليل؟ النقد الفني يجب أن يتحلّى بدماثة الخلق، وببيان أرقّ من نغمة البُزُق. لسان لا يعجل بأن الوقوع في التهريج دليل على غياب الكوميديا القائمة على الفكرة، وأن الذين يُرتجى منهم الإبداع الساخر، لا التظارف، يحتاجون إلى دورات مكثفة في فلسفتي الفن والجمال، الضحك بخاصة، مثلاً بدراسة متعمقة في كتاب «الضحك»، للفيلسوف الفرنسي هنري برغسون فيه مضادّات جمّة للتهريج. على الناقد، ألاّ يقطع بأن كلمات الأغاني الهابطة تنم عن أن سالقي بيضها فقدوا القدرة على التعبير عن الحب، أو أن الحبّ أوصد بابه.
القضية ليست هامشية، فعلى المثقفين أن يتساءلوا عن أسباب انخفاض منسوب الإبداع. ضرورة حيوية أن تطرح وسائط الإعلام هذه القضايا في ندوات على الملأ في الفضائيات. الفنون رافعة المعنويات وشاحذة الطموح. لم تخطر ببال الأوساط الثقافية بعدُ دراسات في مجال مهمّ اسمه الأمن الثقافي؟ لماذا لا توجد تحقيقات علميّة تبحث السقوط الحرّ، من قمم الأساطين بين العقدين الثاني والسادس من القرن العشرين، إلى الانحدارات منذ العقد السابع الماضي؟ هل نسي المختصون أن الموسيقى تشكل قرابة 70% من الروافد الثقافية لعامّة الناس؟ هل ثمة مهمّ أن نتصوّر نقيض مقولة شكسبير: «أعطني مسرحاً، أُعْطِك شعباً عظيماً»؟ يعني إذا أعطيتني فنّاً رديئاً، فلا تلومنّ إلاّ نفسك. ما قاله المسرحي العملاق ينطبق على الفن عموماً. ما منيت به الفنون العربية، فلم ينشأ لدينا بحث علمي في هذه الميادين، يتمثل في غياب المفكرين الموجّهين للفنون. الفلاسفة والمفكرون الحاضرون الناظرون هم بمثابة الأعمدة الراسخة الراسية التي تحول دون الهبوط والسقوط. هم جهاز المناعة والوقاية دون العلل والأدواء. هم خبراء التغذية السليمة الذين يرشدون إلى الصالح، ويدرأون الطالح. الأهمّ، هو أنهم بناة الجسور بين الأدب والموسيقى والفنون التشكيلية. في الديار العربية لا رابطة تربطها. أرأيت كيف أن مدارس الأدب والفن الأوروبية، كانت فيها كل المجالات ذات العلاقة، عائلة واحدة بطرائق تعبير مختلفة؟
لزوم ما يلزم: النتيجة التسطيحيّة: تمسي الكوميديا مأساةً، حين نراها مجرد أداة ترفيه. عدم ترابط الفنون شبيه بتشتّت العرب.
[email protected]