عثمان حسن

في مقولة شهيرة لدوستويفسكي حول فصل الشتاء يقول: «‏الشتاء بارد على من لا يملكون الذكريات الدافئة». ولعل من المناسب هنا، التذكير بأن فصل الشتاء دون غيره، قد لعب دوراً حاسماً في إبداعات عالمية روسية كثيرة، مثل «الحرب والسلام» لتولستوي، وعدد آخر من أعمال دوستويفسكي، وغيرهما.
وربما يصح في هذا المقام، أن نطلق على سبيل المجاز عبارة: «شتاءات الأدب الروسي» للتدليل على عمق وواقعية وقسوة الحياة الروسية كما يعكسها الأدب، في روايات غنية بالعمق والتحليل النفسي.
في متابعة النقاد لرواية «الحرب والسلام» لتولستوي يلعب الشتاء دوره كقوة حاسمة ومدمرة تهزم جيش نابليون، وهنا، تُبرِز الرواية عظمة الطبيعة الروسية وصمود الشعب، الشتاء هنا، رمز للتطهير الروحي، حيث تعقبه فترات راحة وسلام بعد فصول الحرب العنيفة، وهو رمز لتجدد الحياة مع تعاقب الفصول، وقد رأينا مثل هذا الشتاء الأدبي في «السيد والخادم» لتولستوي أيضاً، وتتناول قصة تاجر غني يضل طريقه في عاصفة ثلجية، ويجد نفسه في موقف حرج، فيضطر للاعتماد على خادمه في النجاة.
كان البرد القارس هو السمة التي تطبع الشتاء الروسي، كما هو في «ملاحظات شتوية عن انطباعات صيفية» لدوستويفسكي، والكتاب يوثق رحلة الكاتب الأولى إلى أوروبا الغربية عام 1862. وهو يقدم رصداً نقدياً للقيم والنمط المعيشي الغربي من منظور دوستويفسكي وآرائه الفلسفية والأدبية.
ولكن ماذا عن الرواية الشهيرة «بطل من زماننا» لميخائيل ليرمنتوف؟.. إنها رواية تدور أحداثها في القوقاز، حيث الشتاء القارس، واستلهم مؤلفها من البيئة والمناخ القاسي هناك، صورة شخصية بطله (بيتشورين)، والرواية تعكس أخلاق جيله وأحداثها تتنقل بين فصول السنة.
عربياً، ارتبط الشتاء عموماً بالنتاج الشعري، الذي يصوّر المشاعر والأحاسيس، ويمثل مصدر إلهام للشعراء والأدباء، حيث الحكايات التي تروى في لياليه الطويلة، حيث الحنين والوحدة، وتأمل الذكريات والمشاعر، واستخلاص الحكم والعبر.
لكنه شتاء مفعم بالحب في أجواء المطر، مع لمسة واقعية سحرية، ووصف يدفئ المشاعر كما هو في رواية «الحب تحت المطر» لنجيب محفوظ.
هو أيضا يوصف ب«أدب المدفأة»، حيث مثل هذا الفصل فرصة لقراءة الروايات الطويلة، وهذا ينسجم مع عموم الأدب الروسي، وما فيه من عمق وتأمل نفسي في الذات البشرية، حيث يكتب في الأجواء الهادئة والمغلقة التي يوفرها الشتاء.

[email protected]