هل يمكن أن تنصرف أذهان شركات إنتاج الأعمال الهابطة، إلى أن النقد الموجّه إليها، هو محض انتقاص من جهودها؟ هذا التوضيح ضروري للغاية. تشهد النزاهة القلميّة على أن المقاصد دفاعية خالصة عن منتجينا الأعزاء، حتى لا تطالهم سهام تأويلات السوء. نيل المغرضين منهم، نبال في مهابة الأمّة، وحبال من مسد في جيد كبريائها.
لم تكن بنا حاجة إلى تفسير الماء بالماء، لولا ضرورة قطع الطريق على إساءة الظن بما وراء آكام المسلسلات والأغاني النطيحة والمتردية، ويا ليتها أكلتها السباع فانتفى الإيضاح. تُرى ما الذي سيتبادر إلى أوهام المغرضين، غير أن توسوس لهم أهدافهم بأن منتجي الأعمال الهابطة، هم خير من يخدم المخططات الهدّامة؟ نفوسهم الأمّارة بالمؤامرات ستقول: شكراً للمنتجين، اختصروا علينا المسالك، وأعملوا معاول الهبوط في شعوبهم، فمهّدوا لنا الوعور والشعاب، فإذا هزلت العقول والأفكار، وانحط الذوق، وانهارت القيم، أخذناهم أخذةً رابية، فإذا الجبل رابية. أرأيت كيف يطبّق المخططون استراتيجيات الجنرال الصيني، صن تزو، الذي وضع كتاب «فن الحرب» قبل خمسة وعشرين قرناً؟ هو يرى أن الانتصار الأكبر أن تجعل عدوّك يهزم نفسه بنفسه. قائل المثل الشعبي العربي، لم يقرأ ذلك السفر النفيس، لكنه قال: «منه فيه، زيته يقليه»، إشارة إلى السمك الدسم، لا يحتاج إلى ما ينضجه.
حذارِ تصوّر أن العالم العربي يرى الفنون كوسائل ترفيه، كتسلية. التحفظ واجب؛ لأنه إذا كان الاتهام جزافاً، فإن الإجابة عن السؤال القاصم غير ميسور: ما الذي يجعل الإنتاج الجيّد عملةً نادرة؟ هل بث الأعمال الهابطة قدر محتوم لا رادّ له؟ ماذا لو اتفقت وسائط الإعلام المعنيّة على إخضاع المسلسلات والأغاني لمقاييس صارمة؟
تستطيع القول للمنتجين: الإعلام الذي لا قيم فيه، لا قيمة له. إن الشعوب غير مجبرة على استهلاك أشياء لا طعم ولا لون ولا رائحة ولا مبادئ ولا مثل ولا غاية. الماء أيضاً لا طعم ولا لون ولا رائحة، ولكن الله جعل منه كل شيء حيّ، فأيّ حياة في أعمالكم؟
لزوم ما يلزم: النتيجة التبريرية: نعلم علم اليقين أن هذا الكلام سيقابل بقصة البعوضة التي حطّت على نخلة، ولكن العمود في حاجة إلى شهيق وزفير.
[email protected]