حسن جمعة الرئيسي *
الطابور الشفاف مصطلح يمكن استحداثه لإطلاقه على جهات خفية تقوم باستخدام تقنيات (الإنترنت) لنشر الإشاعات وفبركة الأخبار الكاذبة وتغيير الكلام عن مواضعه، وتحريف الصور عن حقيقتها مستغلة ما يتيح لها الذكاء الاصطناعي من التلاعب في الصور والأصوات، وهذا الطابور يختلف عن الطابور الخامس المتخصص في التجسس ونشر الإشاعات بالطرق التقليدية التي لا تنطلي إلا على البسطاء من الناس ويمكن معرفة مصدرها، بينما الشائعات التي يبثها الطابور الشفاف فإنها قد تنطلي على الكثير من الأشخاص المستهدفين، ومنهم قد يكونون مثقفين ونُخباً وذلك نتيجة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الفبركة والتلاعب بمصادر المعلومات المضللة.
ومثال على دور الطابور الشفاف، هو قيام بعض الحاقدين ومن يغيظهم إنجازات الآخرين باستغلال أي حدث ولو على مستوى حريق ناتج عن حادث سيارة ليعطيها طابعاً أكبر من حجمها، وربطها بأحداث إقليمية ودولية من خلال إلصاقها ببعض المقاطع التصويرية من مصادر رسمية رغم فارق الأحداث. وخبث الطابور الشفاف يظهر في تطويع التقنيات لإبعاد أي شبهة عن مموليها من خلال زج اسم من يعملون لصالحهم بطريقة بريئة وناعمة، ولكن حصيلتها تخدم مصلحة مموليها على حساب مصلحة الدولة أو المؤسسة أو الشخصية المراد استهدافها.
والطابور الشفاف بدأ عمله من خلال الذباب الإلكتروني الذي ينشر الأكاذيب ويروج الشائعات ويسوق لدول وكيانات ومؤسسات مختلفة ويعتمد على وسائل تقنية بدائية ومن دون تخطيط إعلامي احترافي، وكان دوره محدوداً ويتم استخدامه في بعض الأزمات وتصفية الحسابات بين الكيانات المختلفة، ولكن مع تطور الذكاء الاصطناعي فإن بعض الدول أدخلته في استراتيجياتها الإعلامية وإن لم تعلن عن ذلك، وعمل الطابور الشفاف مستمر بصرف النظر عن علاقات الدول والكيانات والمؤسسات مع بعضها إن كانت جيدة أو متوترة.
وعندما نقول إن الطابور الشفاف مختلف عن الذباب الإلكتروني، فإن من ضمن صور الاختلاف أن الطابور الشفاف ترعاه بعض القنوات الإعلامية العالمية أو المعروفة ضمن خلية متكاملة، بحيث تعيد نشر فبركاته وافتراءاته وأكاذيبه للجمهور وهي متخفية ولا يُرى لها أي أثر، وذلك عبر بعض برامجها التلفزيونية لتعطيها المصداقية، من دون أن تتبنى ما تنشره لأنها تعتمد على ما تركته من انطباع لدى المشاهد بأن قنواتها التلفزيونيّة لا تعرض في برامجها إلا ما هو جاد ويستحق المتابعة والوقوف عنده، مستغلة ثقة المشاهد العادي الذي يرى أن كل ما تبثه بعض القنوات التلفزيونية المهمة من المسلمات، بينما الحقيقة ليست كذلك.
ومن أخطر مكائد الطابور الشفاف التي تظهر عند الأزمات السياسية والمناوشات العسكرية أو حتى المعارك بين الدول، أنها تعتمد على بعض السموم التي تنفثها في خانات التعليقات للتلاعب بالمزاج العام لشعوب بعض الدول والكيانات، لا سيما في تأجيج كل ما يمس النسيج الوطني للدول أو على المستوى الإقليمي، وهذه التعليقات التي تبدأ بصورة عشوائية هي في حقيقتها لا تخفى على من يجيد لغة الإعلام ويدرك أنها نتاج عقول إعلامية متمرسة في الخبث الذي يذكي النار فيما أنشأه الطابور الشفاف حتى ينضج طبخته السامة ويتولى البعض تبنيه وهم لا يشعرون، لا سيما المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي الذين يريدون تسجيل مواقفهم من دون أن يعوا أنهم وقعوا فيما خطط له الطابور الشفاف.
في كثير من الأحيان ينشر الطابور الشفاف من خلال الذكاء الاصطناعي شائعاته وافتراءاته وأكاذيبه من خلال رأسين سامين، أحد الرأسين السامين تتناوله أنامل مستخدمي الهواتف الذكية وهم يضغطون على زر الإرسال من شخص لآخر من خلال جميع التطبيقات الإلكترونية من دون وعي كاف بأنهم ضحية الطابور الشفاف، والرأس الآخر السام يتم تخصيصه لبعض من يحاول الرد على ما نشره الطابور الشفاف من دون دراية أنهم يساهمون في اتساع نشر ما يهدف إليه الطابور الشفاف، ما قد يزيد من خلق البلبلة والانقسام بين الناس على مستوى الوطن الواحد أو الإقليم الواحد، وكذلك زرع الشك والريبة في نفوس من يتابعون ردود الفعل على تلك الأكاذيب وإن لم يشتركوا في النشر.
إن مواجهة الطابور الشفاف تخضع لسياسات الدول التي لا تخرج عن مواجهة كل ما يمس أمنها، ويكون من خلال تكاتف أكثر من جهة، وفي طليعتها القائمين على الأمن التقني، وعقول إعلامية غير تقليدية متمكنة من قراءة ما ينشره الطابور الشفاف والتعامل معه بشكل مضاد، أو بتفويت فرصة نجاح الطابور الشفاف ومن يقف وراءه في تحقيق أهدافهم.
* محامٍ ومستشار قانوني