ما رأيك في أن أصحاب موسوعة «ويكيبيديا» يعانون اليوم قلقاً وجودياً، إزاء مشروعهم الذي كدحوا ربع قرن في سبيل تنميته؟ سن الخامسة والعشرين هي أوان العنفوان والعطاء الكبير، لولا أن التكنولوجيا فاجأتهم بأن عليهم أن يستعدّوا لوداع هريرة الموسوعة، التي شغلت الناس، وتركت في الدنيا دويّاً، فالذكاء الاصطناعي مقبل على جواد أبيض، يقود جحافل بحث وتحقيق، لم تعهدها البشرية، من الألواح الطينيّة إلى الرقمي.
ما كان للقلم أن يسلك هذا الدرب، لو لم تكن التحويلة هي الغاية المنشودة. لقد طوت الموسوعة ربع قرن، وبلغ «جوجل» عامه الثامن والعشرين، والشبيبة العربية تجوب الشبكة يوميّاً طوال مئات ملايين الساعات، وعيون العرب على الدوام تنتظر محرك بحثنا العربي، مصباحنا السحري العربي، «شبّيك لبّيكنا» العربي، مائدتنا المعرفية العربية، بمذاقاتنا العربية، بنفَس الإعداد والتحضير والتقديم، العربي. لكن، لا تزال الآمال على قائمة الانتظار. على ذكر المائدة، لك أن تقول لجيل المعلوماتية: «لا تجعلَنّي ككمّونٍ بمزرعةٍ.. إن فاته الماء، أروته المواعيدُ». على أيّ حال، لائحة الانتظار، خير من نائحة الاحتضار.
قلت للقلم: حذارِ التعريج على المناهج هنا أيضاً، وكأنها مسؤولة عن عدم اللحاق بركب المعلوماتيّة، بينما للحقيقة والتاريخ، هي لا تقرب شؤون الحياة العامة من قريب أو بعيد. قال: أسأت بي الظن، فكل ما خطر لي هو أن فتوّات الكوكب الذين يستفردون كل مرّة بمغرّدةٍ خارج السرب، جميعهم يحثّون شعوبهم على ألا يدعوا لأحد مجالاً للتفوق. هذا يدعو إلى جعل بلده عظيماً مرّة أخرى، وذاك يرفع شعار الحرب التي لا نهاية لها، فتظل عربات النار وقودها الناس والحجارة.
قلت: دعنا من هذه العلل، بماذا تُعلّل النفس؟ قال: هل تهوى الموسيقى؟ قلت: بل أنا مجنونها ومفتونها. قال: إذا أراد القوم أن يحلّوا مشكلات الافتقار إلى شبكة عربية، ومعضلات استهلاك التكنولوجيا، والإحجام عن امتلاك محركات البحث ومردة الذكاء الاصطناعي، فما عليهم إلا أن يجعلوا التنوير الحضاري يشع من الأجيال. الأمور يسيرة. بدلاً من الأناشيد المدرسية الساذجة الباهتة، يَهدر طابور الصباح منشداً، «دعاء الشرق»: «كانتِ الدنيا ظلاماً حولهُ.. وهو يهدي بخطاه الحائرينا.. أرضه لم تعرفِ القيد ولا.. خفضت إلا لباريها الجبينا».
لزوم ما يلزم: النتيجة الغرائبية: الخوارزمي ابن حضارتنا الإسلامية، واليوم أغلبية العرب لديها «الخواء رِزَم».