ماذا لو صحوتَ يوماً فعلمت أن بلدك لم تعد له شرطة ولا نظام قضائي، ولا حتى قانون للمرور؟ فجأةً أصبح بيتك كأنه بلا أبواب ولا نوافذ توصد، وأسرتك في عين الإعصار. لك ألّا تصدّق، فالعالم اليوم لا أليف فيه ولا حليف، إلّا ما ندر. الأمم المتحدة: «جئنا به يشفع في حاجةٍ.. فصار محتاجاً إلى شافعِ».
الوضع الدولي لا تنقصه الدعابة، مع أنها ثقيلة الدم، فقد رأى الكوكب كيف تقطع حاملات الطائرات بأساطيلها، آلاف الكيلومترات، خشية أن تبتلع غزّة الكرة الأرضية. مشاهد التاريخ أقل هزلاً، فالمغول زلزلوا الدنيا على طول طريق الحرير، وعندما غزا هولاكو العراق بستمئة ألف مقاتل (1258)، كانت بغداد عاصمة العالم. كانت في الرمق الأخير، سيادتها تلفظ أنفاسها. اليوم حال المضارب العربية أفضل، فالناس لديهم «تيك توك» و«يوتيوب» و«أنِسْتَ الغرام»، ما يغنيهم عن أن يوحشوا النفس بهموم الأمن القومي العربي. ثم هل تترك الإمبراطورية لأحد التفكير بشؤون الشرق الأوسط، وهي تراه شبراً شبراً أمنها؟ من يرى خلاف هذا عليه أن يغيّر مكان نومه، وإلّا بات يشدو: «مضناك جفاه مرقدهُ».
حذار الوقوع في الالتباس، فالعالم لم يكن قطّ آمناً، لكن الشعوب كانت لديها فسحة الأمل. دول الاتحاد الأوروبي لا تقاس بما عليه جلّ البلاد العربية. ظهورهم كانت دافئةً بفضل رمزيّة حلف شمال الأطلسي ومهابته، لكنهم اكتشفوا أن المصيدة التي نصبوها لروسيا في أوكرانيا، انقضّت على رقابهم، وأن الإمبراطورية التي كانوا واهمين أنها الترس والدرع والسيف، صارت لهم الفك المفترس اقتصاديّاً، والخطر المحدق سياسياً وسيادياً. الإمبراطورية تريد غرينلاند، طوعاً أو كرهاً، ولا تتحرك شعرة في مفرقها لتماسك «الناتو»، ففي النهاية أيقظتهم على أن الحلف خدعة، لأن دول أوروبا الغربية هي التي في حاجة إلى حماية، لا الإمبراطورية. تصوّروا أنهم أنداد للإمبراطورية. الطرف الذي قطع عليهم إمدادات الغاز الروسي، هو الذي أراد أن يشتروه بأربعة أضعاف من الحليف الأكبر. أمّا كندا فقد أمسى تحالفها عليها نكداً. لكن، أين زعماء أوروبا من النظرة الديغولية الثاقبة البعيدة؟ كان على يقين من أن ذلك الطرف لا يمكن الوثوق به.
لزوم ما يلزم: النتيجة الطبيّة: ألا تكفي تلك الإشارات والتنبيهات لتقوية حاسّة الشم؟
[email protected]