هل ستتّهم علماء الأحياء بالكسل الذهني، لأنهم لم يتوصلوا إلى نتائج حاسمة، إلا في منتصف القرن الماضي، في موضوع يهمّنا أنت وأنا، وكل أنتم وأنتنّ؟ للدقة، المبحث يخصّ البيولوجيا التطوّرية، في تماهٍ مع الإناسة التطوّرية، أنثروبولوجيا التطوّر. في هذا التناغم بين التخصصات المتعددة، كل الإمتاع والمؤانسة.
المقال الذي نشرته «فوربس» الأمريكية (14 فبراير)، عنوانه يقول الكثير: «عالِم أحياء يشرح لماذا تولد أجنّة البشر بلا حول؟ التطوّر عقد صفقةً استراتيجية». هل ثمّة من لا يهمّه الأمر؟ أنت ترى: «الصوص يستطيع النهوض بعد سويعات، وصغير الشمبانزي يمسك بأمّه بإحكام بعد الولادة مباشرة، بينما رضيع الإنسان لا يقدر على فعل شيء بمفرده. لا يتحكم في وضعيّة رأسه قائماً، ولا يتنقّل بحرية حتى شهور عدّة».
القضية التي شغلت علماء الأحياء عقوداً، تسمّى «معضلة التوليد». تلك هي الصفقة الاستراتيجية في مراحل التطور، وتتمثل في أن دماغ الإنسان نما وفاق حجمه أمخاخ الثدييات العليا. لكن ذلك مع حوض ظل ضيّقاً لضمان القدرة على المشي منتصب القامة، ما يتطلب ليونةً ومرونةً عند خروج الجنين. صفقة دماغ كبير مقابل وركيْن ضيّقين.
معضلة التوليد كانت في منتصف القرن الماضي من أهم البحوث في تخصصات متعددة. استقامة القامة والمشي على قدمين، لعبا دوراً مهمّاً في شكل الحوض لدى الإنسان، وانحناء قناة الولادة، مقارنةً بالثدييات العليا. أمّا التوسع المشهود في حجم الدماغ، فقد جعل كتلة رأس الجنين أكبر. اجتماع العنصرين أوجد مشكلةً كبرى، وهي ضرورة مرور الرأس الضخم لدى الجنين من حوض ضيّق نسبيّاً.
عندما نتأمّل صغار الخيول والأيائل عند الولادة، نراها سرعان ما تنهض وتتحرك وترضع، بينما الآدمي الوليد يحتاج إلى عام للوقوف. في المقابل، كأنما يحدث في دماغه طوال العام الأول، انفجار في نمو الخلايا العصبية وغشاء الدماغ. لم يكن ذلك ممكناً لو تضخم جسم الجنين وتكامل، بما يجعله قادراً على الوقوف والمشي عند الولادة. الحكمة البيولوجية، هي أن عدم الاستقلالية المديد لدى صغير الإنسان، يطيل أمد التعلّم. طفولة الآدمي طويلة، يتعلم فيها اللغات، والعلوم والمعارف والتقنيات والفنون.
لزوم ما يلزم: النتيجة الإعجازية: تلك الصفقة الاستراتيجية، هي التي أهّلت صغار الإنسان لتشييد صروح أعظم الحضارات.

[email protected]