هل تفكّرت في التجارب الذهنية لدى المؤرخين، الذين يعيدون صياغة وقائع التاريخ؟ ألعاب أروع من «ريميك» السينما. يعودون إلى بداية الأحداث، ويضعون سيناريوهات مختلفة. هم يعلمون حقيقة: «قل للزمان ارجع يا زمان». لكنّ الحكمة في ذلك ذات أبعاد. إنها قمّة المقارنة بين ما كان، وما يجب أن يكون.
قلت للقلم: مالك راجفاً واجفاً؟ قال: لأن السيناريوهات ليست بالهزل. هل لديك طاقة لتخيّل البلاد العربية لو انطلقت في تنمية بلا هوادة منذ مطلع القرن الماضي؟ دعك من التاريخ منذ النهضة الأوروبية. كان العالم العربي مستعمرات غير متكافئة مع القوى المتسلطة الاستعمارية. لكنّ في هذا الكلام كثيراً من الإجحاف، لأن الوعي العام كان أفضل ممّا هو اليوم. كان المثقفون مشاعل مشعةً، والمبدعون منهم بمثابة مصانع سلاح.
كان الأدب الساخر والصحافة الساخرة ساعاتٍ منبّهةً وأجراس يقظة. هل الاختفاء اكتفاء ذاتي في الوعي النهضوي؟ كيف كانت الأوساط الثقافية في النصف الأول من القرن العشرين؟ لم يكن للعرب لا معلوماتية، ولا شبكة عنكبوتية، ولا فضائيات على مدار الساعة، ولا مكتبات رقمية بالمجان، ولا مطبوعات بلا حساب. كان العدد من المجلة يتداوله أبناء الحي. كانت القوى العظمى تخشى الأقلام والأفكار. اليوم لا يجرؤ أحد على القول «ما أشبه الليلة بالبارحة»، اليوم لا تجد الخارجية الأمريكية غضاضةً في القول: «إن كلام السفير هكابي أُخرج عن سياقه» (نقلاً عن موقع بوليتيكو)، يعني أن العرب والمسلمين غير قادرين على الفهم الصحيح. «رب عذر أقبح من ذنب».
قلت للقلم: لقد خرجتَ عن الموضوع. قال: تلك عدوى الجاحظ، معذرةً. لكن ما أسهل السيناريوهات. تخيّل لو أن العرب لم يضعوا العربة أمام الحصان، لم يفكروا في من يحكم ومن يسيطر ومن ومن، أوّلاً، واتفقوا على خطة علمية: الطعام لكل فم، حتى لا تغدو لقمة الخبز ببرميل نفط وقرص الدواء بآخر، وضمنوا أمن شعوبهم، فلا تتطاول عليهم رصاصة ولا طائرة، ثم طوروا التعليم وشادوا البحث العلمي، ونشروا حريات الفكر والرأي والتعبير، ورفعوا مكانة الثقافة آداباً وفنوناً، فرفعوا هامة الحاضر وأبهجوا روح الماضي.
لزوم ما يلزم: النتيجة التفاؤلية: حماقات العربدة الدولية جاوزت المدى، فالحلول تخطت مستوى الشرق الأوسط.