قفزة عالمية إلى سباق التسلّح

01:09 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

يشهد العالم عودة متسارعة وواضحة إلى منطق سباق التسلح، بوصفه إحدى السمات الأساسية للنظام الدولي الآخذ في التحول، وهذه العودة تمثل تحولاً بنيوياً يعكس انتقال النظام العالمي من مرحلة توازنات نسبية إلى مرحلة سيولة استراتيجية عالية، تتراجع فيها ضوابط الردع، وتضعف آليات الضبط الدولي، وتتصاعد فيها النزاعات المفتوحة والمحتملة، فالتسلّح اليوم لم يعد مقتصراً على دول النزاع المباشر، بل أصبح خياراً استراتيجياً عاماً تتبناه القوى الكبرى، وتلتحق به قوى إقليمية ودول متوسطة، في مناخ دولي تحكمه الشكوك وانعدام الثقة.
الإنفاق العسكري العالمي بلغ في عام 2024 نحو 2.7 تريليون دولار، وهو أعلى مستوى يُسجَّل منذ نهاية الحرب الباردة، مع زيادة سنوية تقارب 9 في المئة مقارنة بعام 2023، وتمثل هذه القفزة أكبر زيادة سنوية في الإنفاق العسكري منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وتؤكد أن العالم دخل فعلياً مرحلة إعادة عسكرة شاملة، ويمكن اعتبار أن نقطة التحوّل الأساسية قد بدأت في عام 2015، وتستمر صعوداً، حيث شهدت الفترة بين هذين العامين ارتفاعاً في الإنفاق العسكري العالمي بما يزيد على 35 في المئة، لتصل حصته إلى نحو 2.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في مؤشر على تغليب الاعتبارات الأمنية والعسكرية على أولويات واعتبارات أخرى مثل التنمية والتعليم والصحة والخدمات.
الولايات المتحدة حافظت على موقعها كأكبر منفق عسكري في العالم، بميزانية قاربت تريليون دولار في عام 2024، تلتها الصين بأكثر من 300 مليار دولار، ثم روسيا بما يقارب 150 مليار دولار. وفي أوروبا، سجل الإنفاق العسكري زيادات حادة، حيث ارتفع الإنفاق الألماني وحده بنحو 28 في المئة في عام واحد ليصل إلى قرابة 90 مليار دولار، ما جعل ألمانيا في مصاف أكبر أربع دول إنفاقاً على التسلح عالمياً، وفي الشرق الأوسط، شهدت بعض الدول زيادات غير مسبوقة، حيث قفز الإنفاق العسكري الإسرائيلي بنسب عالية.
هذا الواقع يعكس أسباباً سياسية ودولية عميقة تقف خلف عودة سباق التسلح، فالنظام الدولي الليبرالي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة فقد الكثير من قدرته على تنظيم الصراعات واحتوائها، والمؤسسات الدولية تراجعت فاعليتها، والقانون الدولي أصبح أكثر هشاشة، فيما استعادت سياسات القوة موقعها المركزي في العلاقات الدولية، كما عاد التنافس بين القوى الكبرى بقوة إلى الواجهة، في سياق صراع طويل الأمد على النفوذ والمكانة الدولية، من دون أفق واضح لتسويات مستقرة، في الوقت الذي توسّعت فيه مروحة الأزمات الإقليمية، لتمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط وآسيا، ومؤخراً إلى أمريكا اللاتينية.
لسنوات تلت سقوط الاتحاد السوفييتي، ساد اعتقاد بأن العالم يتقدم نحو عالم مختلف عن عالم الحرب الباردة، وأن النظام الدولي يتجه نحو ترسيخ عالم أقل تسلّحاً وحروباً، لكن سرعان ما تبخر هذا الوهم، ونشأ واقع جديد أكثر اضطراباً من واقع الحرب الباردة، فإذ كان الأساس في سباق التسلح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي هو السعي إلى بناء تراكم هائل للقوة، خصوصاً النووية، إلا أن تلك المرحلة كانت محكومة بقواعد واضحة، واتفاقيات، وخطوط حمر غير معلنة، حالت دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لكننا اليوم نعيش في حقبة مأزومة دولياً، فلا أمريكا تمكنت من قيادة العالم بشكل منفرد، ولا نشأ نظام دولي بديل، له قواعد واضحة، وخطوط حمر تلتزم بها القوى الكبرى ومن يدور في فلكها.
إن هذا المسار التصاعدي لسباق التسلّح ستكون له تداعيات اقتصادية عالمية، فمن شأن تصاعد الإنفاق العسكري أن يعزز اقتصاد الحرب والصناعات المرتبطة به، ويقوي شبكات المصالح بين السياسة والقطاع الصناعي العسكري.
في المحصلة، الثمن الحقيقي لعودة سباق التسلح لا تدفعه النخب السياسية ولا المجمعات الصناعية العسكرية، بل تدفعه المجتمعات، حيث تتحمل الشعوب تراجع مستوى الخدمات العامة، وتآكل فرص التنمية، وازدياد مخاطر الحروب، كما ستكون الدول الهشة والنامية الأكثر تضرراً، سواء عبر الانخراط القسري في سباقات تسلح إقليمية، أو عبر تحولها إلى ساحات صراع بالوكالة، وبطبيعة الحال، فإن كل المظاهر التي تزعم الدول الكبرى مكافحتها ستزداد، مثل الفقر والبطالة والهجرة والجريمة المنظمة.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"