سلطان حميد الجسمي*

دعونا في البداية نعرّف معنى التطرّف بشكل بسيط دون تعقيد، التطرّف يعني اعتناق أفكار صارمة ترفض الرأي المخالف، وترى أن الحقيقة لا تكون إلا في اتجاه واحد، وقد يصل الأمر إلى تبرير الكراهية أو حتى العنف لفرض هذا الرأي، وحين تتقاطع هذه القناعات مع المصالح الشخصية يشتدّ تمسّك صاحبها بها، ويقوى اندفاعه في تبرير أفعاله ومعتقداته المتطرفة، فيغدو أكثر تصلباً وأشدّ انغلاقاً.
وعند هذه المرحلة قد يتحول المواطن الصالح إلى إنسان لا يتقبل أي رأي مخالف، حتى وإن كانت أفكاره نفسها منحرفة أو ضالة، وهو يدرك في قرارة نفسه وضوح تطرفها كما تُدرك العين وضوح الشمس، لكنه يستمر في التشبث بها تحت تأثير التعصب والهوى، فيعيش داخل دائرة مغلقة لا يسمع فيها إلا صدى قناعاته وتضيق أمامه مساحات الحوار والتفكير والمراجعة، حتى يصبح عقله وقلبه وسلوكه اليومي أسيراً لهذا الفكر، وأصبح التطرّف غذاءً فكرياً ونفسياً يُغذّي نظرته إلى المجتمع، ويشكّل أحكامه ومواقفه.
وللأسف، فإن التعلّق بالفكر المتطرّف قد يكون أشدّ فتكاً من كثير من أشكال الإدمان الأخرى، فالمخدرات في حالات عديدة قد تُغيّب الإنسان ساعات أو يوماً، ثم يستفيق بعدها ويعود إلى وعيه، أما من يستسلم لخطاب التطرّف ويتغذّى عليه فكراً ووجداناً، فقد يدخل في حالة تغييب عقلي ممتدة قد تطول لسنوات وربما تلازمه ما لم يراجع نفسه، وحين تتجذّر هذه الأفكار في أعماقه قد يجد نفسه محاصراً في مسارات مظلمة لا نجاة فيها إلا بأسوار السجون، أو منقاداً ليصبح أداةً للقتل والموت في خدمة أجندات وتنظيمات متطرفة عابرة للحدود تستغل اندفاعه وتضحّي به لتحقيق مصالحها.
غير أن باب العودة يظل مفتوحاً، فمتى ما استعاد الإنسان بصيرته وأعمل عقله واختار طريق الفطرة الإنسانية السليمة القائمة على الاعتدال والاتزان وقبول الاختلاف، فإنه يسترد إنسانيته ويحرر وعيه من قيود التعصب، ويستعيد سلامه الداخلي وتوازنه النفسي.
إن التيارات المتطرفة والجماعات الإرهابية لا تستهدف الأفراد فحسب، بل تعمل بصورة منهجية ومدروسة على إضعاف المجتمعات من جذورها وهدم تماسكها الداخلي وتقويض دعائم استقرارها، وهي تدرك أن تدمير المجتمعات في العصر الحديث لم يعد قائماً على قوة السلاح وحدها في ظل منظومة القوانين والمواثيق الدولية التي تجرّم العدوان المباشر وتصعّب فرض الهيمنة بالقوة فاتجهت إلى مسارٍ أخطر وأشدّ خفاءً يتمثل في استهداف العقول وتفكيك الوعي، وجعل عقول الشباب ساحةً مفتوحة لبثّ التطرف والانقسام.
هل تساءلتم كيف يمكن لإنسانٍ ذي فطرة سلمية أن يتحول إلى شخص متطرف، سواء كان طبيباً أو مهندساً أو سياسياً أو أي إنسان عادي؟ الجواب باختصار أن ذلك يحدث غالباً عبر استغلال مشاعره بصورة مبالغ فيها وممنهجة، فكثير من الخطابات المتطرفة توهم الإنسان بأنه مظلوم أو مهمَّش وتغذّي عقله بشعارات ضخمة وبراقة بلا مضمون حقيقي أو أساس واقعي، فعلى سبيل المثال يُستخدم تقسيم العالم إلى “نحن” مقابل “هم”، وهو أسلوب يصنع شعوراً زائفاً بالبطولة لدى الشباب ويمنحهم إحساساً بأنهم في معركة مصيرية فاصلة مع وعود كاذبة بالنفوذ أو المكانة.
ومن هنا تبدأ رحلة الانزلاق الفكري، إذ غالباً ما تنطلق مراحل التطرّف بالعزلة الفكرية والانفصال التدريجي عن الآراء المختلفة، ثم تتطور إلى تبنّي سرديات المؤامرة وتفسير الأحداث كلها بمنطق الاستهداف المتعمد، ثم يتبع ذلك رفض المجتمع ومؤسساته والتنكر لقيمه، وصولاً في بعض الحالات إلى تبرير العنف أو المشاركة فيه، وخلال هذه الرحلة يخسر الشاب تدريجياً شبكته الاجتماعية الطبيعية من أصدقاء وأسرة ومجتمع، ليحل محلها إطار مغلق يعزز نفس الأفكار ويمنع أي مراجعة ذاتية أو مساءلة عقلية، فيصبح الانتماء للفكرة البديلة أهم لديه من انتمائه لأسرته ووطنه ومستقبله، وتتحول القناعة من رأي إلى هوية وفكر متطرف.
تعمل حكومة دولة الإمارات بقيادتها الرشيدة على تفكيك التنظيمات المتطرفة وتجفيف منابعها الفكرية والتنظيمية، عبر منظومة تشريعية صارمة وخطاب وطني راسخ ومؤسسات متخصصة تسهر على حماية المجتمع وصون أمنه الفكري والاجتماعي، غير أن هذا الدور الوطني الكبير لا يكتمل إلا بدور الأسرة، فهي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها وعي الإنسان وتتكون فيها منظومة قيمه، ومنها يخرج الفرد صالحاً أو منحرفاً بحسب ما يتلقاه من توجيه ورعاية وقدوة.
كما أن تعزيز روح الانتماء للوطن يبدأ من داخل البيت، حين يتعلم الأبناء معنى المسؤولية وقيمة الاستقرار وأهمية الحفاظ على مكتسبات الوطن وأمنه، يدركون أن قوة المجتمع من قوتهم، وأن حماية وطنهم ليست شعاراً بل التزام أخلاقي وسلوك يومي. وهنا تتحول الأسرة من مجرد إطار اجتماعي إلى مصنع للقيم وحاضنة للوعي وسياجٍ يحمي أبناءها من الوقوع في براثن التطرف والانغلاق.

*كاتب وإعلامي

[email protected]