لم أستكمل الدراسة بكلية الحقوق، فاتجهت للآداب ودرست التاريخ في آداب جامعة عين شمس، حيث يختلف نظام الدراسة عن بقية الأقسام المماثلة في جامعات أخرى، لأنهم في عين شمس يعتمدون نظام الشهادات، فالسنة الأولى يدرس فيها الطالب مداخل للعصور التاريخية، من القديم إلى الوسيط ثم الحديث والمعاصر.
وعلى أيامنا، انتقلنا في السنة الثانية لدراسة العصور الوسطى، وفي الثالثة العصور الحديثة، ثم ارتددنا في الرابعة إلى العصور القديمة، ولذلك الأمر غير المنطقي قصة طريفة ربما يتسع الوقت لذكرها فيما بعد.
وفي العصور الوسطى درسنا التاريخ الإسلامي، وضمنه مادة مصر الفاطمية، وبعدها مصر الأيوبية، وجاء عصر صلاح الدين الأيوبي الذي برز فيه وزيران هما الأسعد بن مماتي الذي كان من أسرة مسيحية أسلمت، والثاني هو بهاء الدين قراقوش، الذي استعدت استحضاره ودراسته مجدداً بعد أن قرأت الكتيب بالغ الأهمية الذي ألّفه صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، وصادر عن منشورات القاسمي، الطبعة الأولى عام 2019 ميلادية، بعنوان «حكم قراقوش.. مباحث في حكم التاريخ».
وأول ما يلفت النظر في مؤلفات صاحب السموّ هو اكتفاؤه بوضع لقب الدكتور فقط دون بقية الألقاب الرسمية، وهذا له معنى شديد العمق؛ لأنه رسالة واضحة بأنه إذا كان المقام مقام علم وبحث فإن المقام مقام مناقشة وتمحيص ونقد، ومن ثم اختلاف أو اتفاق، وعليه فإن الرجل العالم الجليل عمد إلى أن يدرأ أي تأثيرات قد تترتب في عقل ونفس الباحثين الآخرين، تجعلهم يخشون المكانة الرسمية الرفيعة، فيحجمون عن إبداء ما لديهم تجاه المتن الذي كتبه الدكتور سلطان.
ثم إن بيت القصيد في هذه السطور هو أنني أقرأ، ولأول مرة، بحثاً تاريخياً موثقاً متعدد المصادر الأصلية عن شخصية بهاء الدين قراقوش، دون أن يتدخل المؤلف في سياق أي وثيقة بالزيادة أو الحذف، وهذا دأب الدكتور سلطان دوماً مع الوثائق، ومنها ما أعتبره درة أو جوهرة تاريخية فريدة، وهي الأجزاء العشرون لكتاب «البرتغاليون في بحر عمان.. أحداث في حوليات من 1497 ميلادية إلى 1757 ميلادية» الصادر أيضاً عن منشورات القاسمي، الشارقة، 2025.
وللحديث عن قراقوش وصلاح الدين صلة.