عادي
جماليات إسلامية

«المقرنصات».. العمارة تتحدث شعراً

14:41 مساء
قراءة 3 دقائق

تميزت العمارة الإسلامية عبر قرونها الطويلة بقدرتها على الجمع بين الروحانيات والجمال البصري، بين ما هو مادي وما هو رمزي، في توازن عبّر عن روح الحضارة الإسلامية، ومثّلت هذه الفنيات المعمارية «فكراً بصرياً»، يعكس قيم الإسلام وجمالياته في تناغم الخطوط والنور والأشكال، لتعبّر عن التناسق والتناغم بين الداخل والخارج، فجاءت القبب والمآذن والزخارف والتشكيلات النورانية، ساحرة للبصر ومثيرة لدواخل الوجدان، يتحول معها المكان إلى مساحة روحية تربط بين الأرض والسماء.
من رحم هذا الفكر المعماري الإسلامي، ولد أحد أكثر عناصر العمارة الإسلامية تميزاً وهو فن «المقرنصات»، وهو تكوين هندسي معماري، استطاع أن يتحول إلى تحفة رمزية وجمالية تعرف عالمياً بفرادة نظامها المعماري، والمقرنصات يمكن تعريفها بأنها: عناصر زخرفية وهندسية متقنة، تتكون من خلايا صغيرة متراكبة، تشبه خلايا النحل أو الكهوف المتدرجة، تصنع من الجص أو الخشب أو الحجر.
وقد اعتمد عليها في الهندسة المعمارية لتسهيل الانتقال من شكل مربع الجدران إلى قاعدة دائرية تحمل القبة، لتصبح أحد أكثر الرموز الفنية بروزاً في العمارة الإسلامية، كل خلية من المقرنصات تلتقط الضوء بطريقة مختلفة، وتصنع حواراً جميلاً بين النور والظل، يدهش الناظرين ويضعهم أمام إشارات لمفاهيم روحانية من أساس الفكر الجمالي الإسلامي.
*بدايات
يرجح المؤرخون أن المقرنصات ظهرت أولاً في مناطق المشرق الإسلامي، وتحديداً في العمارة السلجوقية والعراقية في القرن الحادي عشر الميلادي، ومن هناك انتشرت إلى بلاد الشام ومصر وإيران، ويمكن تأمل روعة المقرنصات في القاهرة المملوكية على سبيل المثال، مثل مدرسة السلطان حسن ومدرسة الأشرف برسباي أو المدرسة الأشرفية، حيث نجد في المداخل الرئيسية مقرنصات تحدث إيقاعاً بصرياً مدهشاً، منفذة بخبرة وحرفية هندسية في الانتقال من الخطوط المستقيمة إلى المنحنيات.
وفي آسيا الوسطى، بلغت المقرنصات مستوى مذهل من الإتقان الفني.
حين انتقلت العمارة الإسلامية غرباً، عبر شمال إفريقيا إلى الأندلس، حملت المقرنصات معها روحها المشرقية، لكنها اكتسبت هناك حساً شعرياً جديداً، وفي بلاد المغرب، خاصة في فاس ومراكش، برع الصناع زخرفة القباب الصغيرة والمآذن بالمقرنصات التي تتدرج ببطء حتى تلامس ضوء السماء.
أما في الأندلس، فقد بلغت المقرنصات ذروة جمالها وتناسقها المعماري في قصر الحمراء بغرناطة، فقبة “قاعة السفراء” تبدو وكأنها تشكيل من الغيوم الحجرية المعلقة في الفضاء، حيث تتكون القباب هناك من آلاف الخلايا الجصية الصغيرة، تتدرج من قاعدة مربعة إلى مركز دائري مفتوح نحو الأعلى، فيحاكي المشهد كمال التكوين الكوني كما يتخيله الفكر الإسلامي.
وقد وصف بعض الباحثين المقرنصات في قصر الحمراء بأنها «شعر معماري»، إذ تنسجم فيها الأشكال الهندسية مع الآيات القرآنية والكتابات الخطية المرافقة لها على الجدران، في وحدة بصرية تبرهن على قدرة الفن الإسلامي على دمج الكلمة بالشكل، في طابع روحي هندسي.
*رمزيات
تعد المقرنصات من روائع الفنون الإسلامية، إذ تجمع بين فنون البناء والتشييد والنحت والرسم والخط والزخرفة في تناغم بديع. وقد تعددت تسمياتها في أرجاء العالم الإسلامي، ففي بلاد المشرق العربي تعرف باسم «المقرنصات»، وفي بلاد المغرب تسمى كذلك، بينما يطلق عليها في مصر اسم «الضليات».
وتتنوع أشكال المقرنصات في العمارة الإسلامية، فنجد منها الحلبي والشامي والبلدي والمتدلي والمثلث، ولكل منها طابعه الجمالي المميز، وعندما تنفصل المقرنصات عن مجموعتها الأساسية، فإنها تشبه محراباً صغيراً بتكوينها المتناسق، وتمتاز هذه العناصر بخطوطها المتناغمة، ويجد المتأمل لكل خلية منها فكرة فلسفية مخفية وراء هذا الجمال الإسلامي المبهر.
وبهذا تبقى المقرنصات توقيعاً بصرياً للحضارة الإسلامية في المشرق والمغرب، وتجسد أن الفن عند المسلمين، تمثل ذروة الإبداع في العمارة الإسلامية، وروح الفن والمهارة في أدق تفاصيلها، في لغة فنية تنطق بجمال التناسق والدقة الهندسية، وتنوع أشكالها ووظائفها، لتبقى شاهداً خالداً على عبقرية الفنان المسلم وقدرته على تحويل الحجر إلى تحفة فنية تأسر الألباب.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"