حرب مجنونة وصفحة مؤلمة

01:43 صباحا
قراءة دقيقتين
كلمة الخليج

من المؤلم أن تنزلق منطقتنا إلى دائرة التصعيد مجدداً. المواجهة الأمريكية الإيرانية الجارية، تمثل خيبة أمل إقليمية ولحظة تاريخية حرجة ستترك تداعيات استثنائية تتداخل فيها المصالح الجيوسياسية المعقدة مع المخاوف الأمنية، وتؤثر سلباً في مستقبل الأجيال المقبلة.
ومن المؤلم أيضاً أن شظايا هذه الحرب قد طالت دول المنطقة عبر اعتداءات إيرانية سافرة على سيادة كل من الإمارات والسعودية والبحرين والكويت وقطر والأردن، وهي اعتداءات غير مبررة، وتستهدف دولاً أثبتت مواقفها وتحركاتها الدبلوماسية أنها ترفض منطق الحرب والعدوان وتدافع عن استقرار المنطقة وازدهار شعوبها وتنادي بالسلام وتحرص على استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وسلامة الملاحة الجوية والبحرية.
هذه الدول، وفي مقدمتها دولة الإمارات، كانت شديدة الوضوح والصراحة في رفضها لأي تصعيد لأنه لن يخدم مصالح المنطقة الاستراتيجية ولا أمن استقرار العالم، بل يصب في مصلحة دعاة الحروب وأصحاب الأجندات المتطرفة من جميع الأطراف حيث إطلاق العنان للحرب وقطع الطرق أمام الحوار لن يضمن الأهداف التي يصورها غرور القوة.
وقبل هذه الجولة التصعيدية الكبيرة، كان الرهان أن تفضي جولات التفاوض بين إيران والولايات المتحدة بوساطة سلطنة عمان إلى تفادي التصعيد العسكري ومعالجة القضايا الخلافية بين الطرفين عبر الدبلوماسية حصراً. ومن المؤسف أن الجولة الأخيرة في جنيف أحرزت بعض التقدم، وأوهمت بعض التصريحات أنها أحدثت الاختراق المطلوب لتفادي المواجهة، ولكن ما خفي أن الإعداد كان يجري لرسم هذه الصورة المأساوية، بل إن هذه المشاهد والكلمات والتبريرات والوعود البراقة التي واكبت الدقائق الأولى لهذه المواجهة، ليست غريبة عن ذاكرة عاشتها المنطقة مع حروب سابقة، ولكن هذه الأسوأ على الإطلاق ولا يريدها أحد إلا إسرائيل، لخدمة مشروعها التوسعي.
لا أحد يريد التصعيد والتأزيم، فالحروب مهما كانت أهدافها وغاياتها، تترك وراءها جروحاً لا تندمل في النسيج الإنساني والاقتصادي للشعوب، وغالباً ما يكون المدنيون، الذين لا علاقة لهم بدعاة الحرب ولا بأهدافها، هم من يدفعون الثمن الأكبر.
رغم أن هذه المواجهة بدأت قوية واتسعت لتشمل كل دول المنطقة تقريباً، فإن القدرة على وقفها فوراً ممكنة ومطلوبة في هذه المرحلة الصعبة لتفادي الانزلاق إلى حرب استنزاف لا يريدها أحد وستلحق أضرارا بكل العالم. وكلما اتسعت ستستقطب أطرافاً لا تخطر ببال الحروب أصلاً. وربما من أجل تفادي كل هذه السيناريوهات السوداء، تعمل الدبلوماسية الإقليمية، في هذه اللحظات، بأقصى سرعتها لكبح تدهور الأوضاع ومنع توسع رقعة الصراع.
واعتصاماً بالأمل، لن يكون صعب المنال الإعلان عن تهدئة مفاجئة، وهي أمنية قد تتحقق لأن البديل لا يطاق. في ظل لحظة دقيقة ومعقدة وحرجة، عسى أن يستفيق الضمير خلال هذه الساعات ويسارع صوت العقل إلى إنهاء هذا الجنون ويحفظ للمنطقة أمنها وسلامها، ولا يكون ذلك إلا بقرار سياسي رشيد يخرج المنطقة من حالة انعدام اليقين ويعيد للعالم توازنه المفقود.

عن الكاتب

كلمة الخليج

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"