عادي
جماليات إسلامية

«الثلث الجلي»... موسيقى بصرية تهز الوجدان

15:12 مساء
قراءة 3 دقائق


يعد فن الخط العربي واحداً من أسمى الفنون الإسلامية التي جمعت بين الجمال والهيبة، إذ تجلى فيه الإبداع الإنساني ليحمل لنا هذا الفن في انحناءات حروفه رسالة ثقافية وروحانية عميقة، تجسد هوية الأمتين العربية والإسلامية في بعدها الجمالي والفكري النابض بالإيمان والجمال والإتقان والانسجام بين الشكل والمعنى.
ومن أبرز من حملوا هذا الفن الإسلامي في العصر الحديث الخطاط التركي حسن جلبي، أحد أهم رواد المدرسة العثمانية في الخط العربي، الذين أعادوا الحياة إلى هذا التراث في القرن العشرين، وفي اللوحة التي بين أيدينا، والتي خط فيها الآية الكريمة ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، «الزمر: 62»، وهي صياغة روحية قصيرة في مبناها، عميقة في معناها، تتردد في الوجدان الإسلامي كدلالة على التسليم والخضوع الكامل لله سبحانه وتعالى، لذلك اختار جلبي خط الثلث الجلي لتنفيذ العمل، وهو من أكثر الخطوط مهابة ومرونة في بناء الكتل والزخارف المعمارية، فوزع الحروف في إيقاع متوازن تتناوب فيه السماكة والدقة، بما يخلق موسيقى بصرية تحرك الوجدان قبل العين.


نلحظ أن كلمات الآية الكريمة تتشابك في التكوين، بامتداد رأسي واضح لحرف اللام، ليشكل محوراً بنائياً يخترق اللوحة من أعلى إلى أسفل، كأنه عمود المعنى الذي تتكئ عليه بقية الكلمات، والتي تتجلى فيها قدرة جلبي على الجمع بين التكوين الهندسي والدلالة الروحية، فالعمل قائم على بنية هرمية تبدأ من قاعدة «والله على» صعوداً إلى وسط اللوحة وكلمة «كل شيء»، فيما جاءت «وكيل» تتربع على أعلى اللوحة دلالة على رفعة المقام الإلهي.
* تباين
جاء التدرج اللوني في اللوحة محسوباً بدقة فنية، والحروف مكتوبة بلون بني داكن يميل إلى السواد، مع تدرجات خفيفة توحي بعمق دلالي، وهذا الاختيار اللوني يبتعد عن الحدة، ويمنح النص طابعاً وقوراً، وكأنه نقش قديم محفوظ، في ما جاءت الخلفية بلون عاجي يذكرنا بورق المخطوطات الكلاسيكية، أما الإطار الخارجي المزخرف بوحدات نباتية هندسية، فيجعل النص يبدو كجوهرة يحيط بها تاج مذهّب، يذكرنا بالمصاحف العثمانية التي جمعت بين الخط والزخرفة في وحدة تكوينية مقدسة، وهكذا تتجلى عبقرية حسن جلبي في تحويل الحرف إلى عمل روحاني من نور، يجمع بين قداسة النص وجمال التكوين، ليبقى الخط العربي برغم تعاقب الأزمان شاهداً على الجمال في حضارة تنطق بالحرف والروح معاً.
ولو تحركت العين إلى الزاوية اليسرى العليا نرى شكلاً قطرياً (يشبه قطرة أو لوزة) يحتوي كتابة جملة «صدق الله العظيم»، وهو عنصر زخرفي وجمالي تقليدي في بعض اللوحات العثمانية، وهذا المزيج المدهش بين الألوان البني الداكن والذهبي والخلفية العاجية، والإطار باللونين الأزرق والأخضر، هي مجموعة لونية تقليدية في الفن العثماني ترتبط بالسكينة والبعد الرواني في الأعمال الخطية، تنقل المتأمل من مركز النص إلى أطراف الزخرفة ثم يعود به إلى قلب اللوحة، في حركة تعيد إلى الأذهان الدور التاريخي للخط العربي كوسيط أساسي لتجسيد كلام الله سبحانه وتعالى.
*سيرة
ولد جلبي سنة 1937م في أرضروم، وحفظ القرآن في صغره، ليصبح في شبابه مؤذناً، وشدته الخطوط المزينة لجدران المساجد، وبدأ يهتم بالخط من خلال مجالسة بعض الأساتذة المهتمين به، ثم حصل على مجموعة خطوط عثمانية، وأخذ في التدرب عليها، واشتهر بكتابة لفظ الجلالة، واسم النبي صلى الله عليه وسلم، وأسماء الخلفاء الراشدين، ليدرس بعد ذلك على يدي حليم بك وحامد الآمدي وكمال بطناي، حتى حصل على إجازتين من الأخيرين، واستمر في ممارسة الخط وتدريسه، وله إنجازات كثيرة على صعيد الخط في داخل وخارج تركيا وقد شارك في العديد من المعارض في مختلف أنحاء العالم.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"