جابر محمد الشعيبي*

يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة نقدية مختلفة بعد عامين من التشديد غير المسبوق لمواجهة التضخم. ومع بدء البنوك المركزية الكبرى في التحول نحو خفض تدريجي لأسعار الفائدة خلال 2025 واستمرار هذا المسار في 2026، تتشكل دورة مالية جديدة تعيد رسم اتجاهات السيولة العالمية وحركة رؤوس الأموال. هذه التحولات لا تمر مرور الكرام على اقتصادات الخليج، المرتبطة عملاتها بالدولار الأمريكي، ما يجعل انتقال السياسة النقدية الأمريكية إليها شبه تلقائي.
خفض الفائدة يعني ببساطة انخفاض كلفة التمويل. الحكومات تقترض بأسعار أقل، والشركات تجد فرصاً أوسع للتوسع، والأفراد يستفيدون من تحسن شروط الائتمان. لكن التأثير الأعمق يكمن في إعادة تسعير الأصول عالمياً، وفي تحسن شهية المستثمرين نحو الأسواق التي تتمتع باستقرار مالي ومؤسسي. وهنا تبرز دول الخليج كلاعب في موقع متقدم.
وفق تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر عن صندوق النقد الدولي في يناير (كانون الثاني)2026، يُتوقع أن يبلغ النمو العالمي نحو 3.3% خلال العام، مع تراجع تدريجي في معدلات التضخم مقارنة بذروتها في 2022–2023. هذا التحسن النسبي في البيئة الكلية يفتح الباب أمام دورة استثمارية جديدة، خاصة في الأسواق التي تجمع بين الانضباط المالي والقدرة على جذب رؤوس الأموال.
بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، تشير تقديرات مؤسسات مالية دولية إلى أن النمو قد يدور حول 4% إلى 4.5% في 2026، مدفوعاً بقوة القطاعات غير النفطية وتسارع تنفيذ مشاريع التحول الاقتصادي. هذه الأرقام تعكس تحولاً مهماً في بنية النمو، فالمحرك لم يعد النفط وحده، بل الإنفاق الرأسمالي، والخدمات اللوجستية، والصناعة المتقدمة، والسياحة، والاقتصاد الرقمي.
انخفاض الفائدة يمنح الحكومات الخليجية فرصة لتعميق أسواق الدين المحلية. خلال السنوات الماضية، طورت المنطقة سوقاً نشطة للسندات والصكوك، ومع تراجع كلفة الاقتراض يمكن إعادة تمويل بعض الالتزامات بشروط أفضل، أو إصدار أدوات دين لتمويل مشاريع استراتيجية طويلة الأجل. غير أن الأهم ليس حجم الاقتراض، بل توجيهه نحو استثمارات إنتاجية ترفع الطاقة الاستيعابية للاقتصاد.
كذلك، فإن الصناديق السيادية الخليجية، التي تدير أصولاً تُقدَّر بتريليونات الدولارات، تدخل هذه الدورة النقدية وهي أكثر تنوعاً وانتشاراً عالمياً من أي وقت مضى. ومع انخفاض العوائد في الاقتصادات المتقدمة، يعاد تسعير الأصول، ما يخلق فرصاً استثمارية في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، والطاقة النظيفة، والبنية التحتية الرقمية. القدرة على اقتناص هذه الفرص تتطلب رؤية طويلة المدى، لا مجرد ملاحقة العوائد قصيرة الأجل.
لكن الوجه الآخر لدورة الفائدة الجديدة يتمثل في مخاطر تضخم أسعار الأصول. تقارير الاستقرار المالي الدولية حذرت خلال 2025 من أن التيسير النقدي السريع قد يدفع بعض الأسواق إلى تقييمات مرتفعة لا تعكس أساسياتها الاقتصادية. في السياق الخليجي، يعني ذلك ضرورة تجنب موجات توسع عقاري أو ائتماني غير مدروسة، خاصة في ظل التجارب السابقة التي أظهرت أن وفرة السيولة قد تتحول إلى عبء إذا لم تُدر بحكمة.
إضافة إلى ذلك، تبقى البيئة الجيوسياسية عاملاً مؤثراً. أي صدمات في أسواق الطاقة أو اضطرابات في التجارة العالمية قد تعيد الضغوط التضخمية وتدفع البنوك المركزية إلى تعديل مسارها. لذلك فإن الافتراض بأن الفائدة المنخفضة ستستمر لسنوات من دون انقطاع قد يكون رهاناً محفوفاً بالمخاطر.
اللحظة الراهنة تفرض انتقالاً من «اقتصاد السيولة» إلى «اقتصاد الانتقائية». أي أن التركيز ينبغي أن يكون على جودة المشاريع، وعلى رفع الإنتاجية، وتعزيز الابتكار، وجذب الاستثمارات النوعية التي تخلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة. كما أن تطوير أدوات تمويل مستدامة، مثل السندات الخضراء والصكوك المرتبطة بالاستدامة، يمكن أن يحول دورة الفائدة الجديدة إلى رافعة للتحول البيئي والاقتصاد منخفض الكربون.
الخليج اليوم أكثر استعداداً مما كان عليه في دورات نقدية سابقة. الاحتياطيات المالية قوية، والأطر التنظيمية أكثر نضجاً، وخطط التنويع واضحة المعالم. غير أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في توفر السيولة، بل في القدرة على إدارتها ضمن رؤية استراتيجية تحافظ على الانضباط المالي وتدعم النمو غير النفطي.
في نهاية المطاف، تمثل دورة الفائدة الجديدة فرصة وليست ضمانة. من يحسن استثمارها سيعزز موقعه في الاقتصاد العالمي القادم، ومن يكتفي بالاستفادة المؤقتة من وفرة المال قد يواجه تحديات أصعب عندما تتغير الدورة من جديد. الخليج أمام لحظة تموضع استراتيجية، والقرار اليوم سيحدد شكل موقعه في النظام الاقتصادي العالمي خلال العقد المقبل.

* كاتب وباحث إماراتي

[email protected]