خالد راشد الزيودي*
أثبتت الإمارات العربية المتحدة خلال الأيام الماضية، في ظل الاعتداء الإيراني السافر الذي استهدف ترابها الوطني، أن أمنها الوطني يقوم على منظومة دفاعية متقدمة قادرة على التعامل مع مختلف التهديدات.
قد نجحت القوات المسلحة بكفاءة واقتدار في اعتراض الصواريخ والمسيّرات التي حاولت استهداف أرض الدولة، في مشهد يعكس مستوى الجاهزية العالية التي وصلت إليها المنظومة الدفاعية للدولة. ولم يكن هذا النجاح وليد اللحظة؛ بل نتيجة رؤية استراتيجية بعيدة المدى اعتمدت على تطوير القدرات العسكرية وفق أحدث المعايير العالمية، والاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة، وتعزيز التكامل بين مختلف أفرع القوات المسلحة، بما يضمن الاستجابة السريعة والفعالة لأي تهديد محتمل.
غير أن هذه التطورات لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي الأوسع الذي تمر به المنطقة. فالمواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى تعكس مرحلة جديدة من التوتر في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع تحولات أعمق يشهدها النظام الدولي. وفي منطقة تشكل مركزاً رئيسياً لإمدادات الطاقة العالمية وممراً حيوياً للتجارة الدولية، فإن أي تصعيد عسكري لا يظل محصوراً في نطاقه المباشر؛ بل يترك تأثيرات واسعة على أمن المنطقة واستقرارها؛ بل وعلى الاقتصاد العالمي أيضاً.
ومن منظور إدارة الأزمات، يمكن قراءة تطورات هذه الحرب من خلال عدد من السيناريوهات المحتملة. السيناريو الأول يتمثل في بقاء العمليات العسكرية ضمن نطاق محدود يركز على استهداف القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصاً المرتبطة بالبرنامجين النووي والصاروخي. وفي مثل هذا المسار قد تسعى القوى الدولية إلى احتواء التصعيد بعد تحقيق أهداف عسكرية محددة، بما يمنع تحول المواجهة إلى حرب شاملة قد تهدد استقرار المنطقة بأكملها.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في احتمال تحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة. ففي ظل غياب رؤية واضحة لنهاية الصراع، قد تتواصل العمليات العسكرية على شكل ضربات متبادلة ومتقطعة تمتد لفترة طويلة. ومثل هذا النوع من الحروب غالباً ما يؤدي إلى توسيع ساحات المواجهة وخلق حالة دائمة من التوتر في المنطقة، وهو ما قد ينعكس على أمن الطاقة العالمي واستقرار الاقتصاد الدولي.
السيناريو الثالث يرتبط بتصعيد أمريكي يستهدف إعادة تشكيل موازين القوة داخل إيران. فقد شهدت السياسة الخارجية الأمريكية في الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب تحولاً واضحاً من سياسة «الضـــغوط القصوى» القـــائمـــة على العـــــقــوبـــــات الاقتصادية إلى استخدام القوة العسكرية كأداة مباشرة لإعادة ضبط البيئة الاستراتيجية. غير أن هذا المسار يبقى معقداً، نظراً لطبيعة الدولة الإيرانية وتركيبتها العسكرية والأمنية، إضــــافة إلى امـــتـــداد نـــفـــوذها الإقليمي وتشابك مصالحها مع عدد من الأطراف في المنطقة.
أما السيناريو الرابع فيتعلق باحتمال حدوث اضطرابات داخلية في إيران نتيجة الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة. ومثل هذه التطورات، إن حدثت، قد تفتح الباب أمام مرحلة من عدم الاستقرار الداخلي، وهو أمر قد ينعكس بدوره على البيئة الإقليمية الأوسع، خصوصاً في ظل وجود شبكة من الفاعلين المرتبطين بالصراع في أكثر من ساحة.
أما السيناريو الخامس، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في احتمال تحول الحرب إلى مواجهة إقليمية أوسع. فكلما طال أمد الصراع وارتفعت وتيرة التصعيد، زادت احتمالات انخراط أطراف أخرى فيه، سواء بشكل مباشر أو عبر ساحات مختلفة في المنطقة. وفي ظل التحولات الجارية في النظام الدولي، قد يتحول هذا الصراع إلى جزء من منافسة أوسع بين القوى الكبرى على النفوذ ومناطق التأثير.
في ضوء هذه السيناريوهات تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية. فاستمرار التصعيد قد يقود إلى مزيد من عدم الاستقرار، في حين يبقى احتواء الأزمة عبر المسارات السياسية والدبلوماسية الخيار الأكثر قدرة على منع اتساع دائرة الصراع.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن أي صراع عسكري في الشرق الأوسط سرعان ما يتجاوز حدوده الجغرافية ليصبح قضية دولية تمس الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والاستقرار السياسي. فهذه المنطقة بحكم موقعها الاستراتيجي وثقلها الاقتصادي تمثل إحدى ركائز الاستقرار في النظام الدولي، وأي اضطراب واسع فيها ينعكس مباشرة على العالم بأسره.
وفي ظل التطورات الراهنة تبدو الحاجة ملحّة إلى قدر كبير من الحكمة السياسية والتقدير الواقعي للمخاطر. فالتصعيد العسكري، مهما كانت مبرراته، يحمل دائماً احتمالات اتساع المواجهة وتداخل أطراف جديدة في الصراع. ومن هنا تبرز أهمية احتواء التوتر ومنع انزلاق الأحداث نحو مواجهة أوسع قد يصعب التحكم في مسارها.
وفي خضم هذه التحديات تواصل الإمارات العربية المتحدة تأكيد نهجها القائم على دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز فرص التنمية والسلام، مع حماية أمنها الوطني وأمن شعبها وكل من يعيش على أرضها، إدراكاً منها أن بناء مستقبل آمن للمنطقة لا يتحقق عبر الصراعات؛ بل من خلال ترسيخ الاستقرار وتغليب لغة الحوار على منطق المواجهة.
*باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر
[email protected]