صحيح أن الضحية الأولى للحرب، أي حرب، هي الحقيقة. فأطراف الصراع يكذبون، أو على الأقل «يجمّلون» الحقائق بما يسمونه «حقائق بديلة» إما لتبرير مواقفهم أو لتضخيم إنجازاتهم والتقليل من قدرات الطرف الآخر. وكل ذلك مفهوم في إطار الحرب التي تحتاج إلى دعم لمعنويات المتقاتلين ولو بالكذب اًحياناً.
إنما ما يحدث في حرب إيران الأخيرة كشف عن مخاطر «السيولة» الهائلة لنشر الزيف والتضليل وأحياناً تفسيرات المؤامرة المتعمدة التي تجد طريقها للملايين من مستخدمي مواقع التواصل على الإنترنت. لا يقتصر التضليل والتهويل على مواقع التواصل فحسب، بل أيضاً في بعض منافذ الصحافة والإعلام.
قد يتصور البعض أن هذا التضليل والتهويل يسود في المحتوى المتداول عربياً، إنما الحقيقة أنك تجد ذلك أيضاً لدى «الخواجات» سواء على مواقع التواصل أو حتى في الصحافة والإعلام. ويعود ذلك إلى ما قبل الحرب الاخيرة، مع التهويل من قدرات إيران العسكرية و«تخويف» العالم من مخاطرها المبالغ فيها. وذلك بما يشبه إلى حد كبير التهويل من قدرات العراق العسكرية قبل غزوه واحتلاله والتي ثبت في الواقع أنها مبالغات مضللة.
إذا كان ذلك يندرج في سياق «حرب المعلومات» ومحاولة أطراف الصراع تسييد روايتهم على حساب رواية الطرف الآخر فذلك مفهوم إلى حد كبير. لكن التضليل والتهويل في الأيام الماضية بلغ حداً تجاوز حدود العقل والمنطقة وكأنما له أغراض تتجاوز صراعاً عسكرياً في منطقة مشحونة بالتوتر أصلاً.
ففي الغرب نجد تهويلاً من تبعات الحرب على المنطقة وعلى الاقتصاد العالمي لا تعكسه تقديرات المؤسسات المهنية. على سبيل المثال، في آخر تقرير وصلني من مؤسسة «فيتش» للتصنيف الائتماني هذا الأسبوع لا تتوقع المؤسسة تأثيراً كبيراً للحرب على الاقتصاد العالمي، ولا على أسواق الطاقة وتشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط سيكون مؤقتاً. حتى إنها لم تعدل تقديراتها لمتوسط الأسعار هذا العام الذي أصدرته نهاية العام الماضي.
هناك في الغرب، من أقصى اليمين المتشدد إلى أقصى اليسار المتشدد (أي المتطرفين على جانبي الطيف السياسي)، من لا يعجبه أمن واستقرار دول الخليج العربية. وهؤلاء «ينظرون» ويحللون بما يدفعهم هواهم وليس على أساس الحقائق على الأرض. وليس كل ذلك على مواقع التواصل فحسب، بل حتى في وسائل الأعلام أيضاً.
في المقابل هناك أصوات عاقلة ومنطقية تنظر للأمور كما هي دون تهويل وتحاول تقديم وجهة نظر سليمة. لكن العادة أن التضليل والتهويل يكونان أعلى صوتاً وأكثر إثارة فينتشر أكثر. مثال واحد ما كتبه المعلق جانان غانيش في صفحة الرأي ب«الفينانشيال تايمز» بعنوان «ستظل لدينا دبي» رداً على التهويل بشأن مستقبل نموذج متفرد بسبب الهجمات الايرانية.
يغرق المهوّلون في الغرب والمضلّلون في منطقتنا في «الغيرة» وربما حتى الحقد على أي نموذج مضيء مثل دبي. في الغرب ربما لأنهم يجدونه نموذجاً ناجحاً جاذباً للسياح ورجال الأعمال على عكس بلدانهم، وأيضاً لأنه نموذج يصعب تقليده في أي مكان آخر في العالم، فكل محاولات اقامة «دبي أخرى» هنا أو هناك لم تصل إلى ربع نجاح «دبي الاماراتية».
أما في المنطقة، فطبيعي فهناك جماعات متطرفة أيضاً، كمتطرفي اليمين واليسار في الغرب، في مقدمتهم جماعة الإخوان التي لا تريد خيراً لا لدبي ولا للإمارات ولا لكل دول الخليج ولا المنطقة العربية كلها.
لقد عشت وعملت في دبي والدوحة وأبوظبي، وأظن أن الملايين مثلي لا يمكن أن يتأثروا بذلك التضليل والتهويل. وأن كل هؤلاء، وهم أغلبية لحسن الحظ، لايريدون إلا الأمن والسلامة والخير والرفاه ليس فقط لدول الخليج بل لكل شعوب المنطقة.
الأمر الجيد حقاً أن المقيمين في الإمارات وبقية دول الخليج يلعبون دوراً إيجابياً في مواجهة التضليل والتهويل. ليس فقط بأنهم يتصرفون على أن تلك بلادهم الثانية، ولكن لأنهم في كل مرة يتواصل معهم أهلهم من بلادهم الأصلية يقومون بشرح الواقع وأنهم يعيشون حياتهم وأعمالهم بشكل طبيعي في ظل أمان حقيقي على عكس تهويل مواقع التواصل.
وسينقشع غبار التضليل المتعمد ولا عزاء للمهوّلين والمضلّلين الذين ما أرادوا إلا بالناس سوءاً وفتنة سترتد عليهم بالتأكيد.

[email protected]