في تكراره لدعوة رئيس وزراء كندا مارك كارني مطلع العام، تحدّث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أيضاً عن تلاقي الدول الوسطية كنواة لما يمكن أن يكون «نظاماً عالمياً جديداً». ربما يكون كل ذلك بسبب سياسات إدارة الرئيــــس الأمريكــــي دونالد ترامـــب التــي تتباعد عن حلفاء الولايات المتحدة الغربيين ولا تأخذ في الاعتبار مصالحهم ومواقفهم من باب «أمريكا أولاً».
لكن التباعد عبر الأطلسي، وبداية نهاية النظام العالمي القديم تعود إلى عقود سابقة حتى قبل أن يظهر ترامب في الصورة قبل ترشحه للرئاسة الأولى منذ نحو عقد من الزمن.
والحقيقة أيضاً أن ذلك لا يرجع إلـــــى سياسات «فـــــك ارتباط» من جانب واشنطن، أو تضـــارب مصالح مع الشركاء خاصة الأوروبيين فحسب إنما كان ذلك تطوراً منطقيــــاً لا بعد نهايــــة الحرب الــــباردة وتفكــــك الكتلـــة الشرقية وانهيار النظام العالمي ثنائي القطبية.
منذ ثمانينات القرن الماضي، ورغم أنه لم تعــد هـــناك سوى قوة عظمى واحدة هي أمريكا إلا أنــــها لم تطـــور بشكــــل واضـــــح عالماً «أحادي القطــــب» تتفــــرد فيـــه بالقيادة للجميع. وظهر الحديث عن «عالم متعـــدد الأقطاب» وعن بروز الصين كقوة اقتصادية منافسة، ثم الحديث عن «الدول الصاعدة» التي حاولت أن تجد لها تجمعات مثل «بريكس» وغيرها من التكوينات.
بل إن دولاً في آسيا مثل الهند وبعض الدول الخليجية أصبحت ضمن «نادي الصاعدين» الذين يمكن أن يقعوا تحت وصف «القوى الوسطية» في العالم الذي تحدث عنه كارني وماكرون. مع ذلك، ومنذ نهاية القرن الماضي لم يصل العالم إلى تجاوز فترة «الميوعة» بين نظامين.
أما حديث الرئيس ماكرون عن تجمع القوى الوسطية فكان أكثر تحديداً من دعوة رئيس الوزراء الكندي السابقة. فتصريح مارك كارني خلال حضـوره منتدى دافوس جـاء عقــب زيارته للصين، وكان عدد من القادة الأوروبيين توجهوا أيضاً إلى بكين في رد فعل واضح على تهديدات إدارة ترامب التجارية والاقتصادية والمالية للشركاء.
فهم في ذلك الوقت أن القوى الوسطية التي يقصدها كارنـــي ربما تشمــل الصين باعتبارهــا مــن الاقتصـــادات الصاعــــدة، ومعهـــا الهنــــد وأستراليا وغيرها. إلا أن ماكرون كان واضحاً بـــأن المقصود تلك القوى «التـــي لا تريــــد الاعتماد التام علـــى الصـــين» وليســـت بالضــــرورة تابعة للولايات المتحدة.
وأضاف أن المقصــــود بدعوتـــه هو «طريق ثالث»، أي أنه قدر ثنائية قطبية حالياً، ولو عـــلى أسس اقتصادية، متمثلة في واشنطن وبكين.
يختلف ذلك بالطبع عما سُمي «كتلة عدم الانحياز» خلال الحرب الباردة والنظام العالمي ثنائي القطبية بين موسكو وواشنطن. فاستبعاد الصين من القوى الوسطية يُضعف تلك الدعوات لنظـــام جديـــــد لا تهيمـــن عليه أمريكا وتخضعه لتقلباتها في سياساتها العالمية.
أما الحديث عن الطريق الثالث فيذكرنا بالأكاديمي البريطاني الشهير أنتوني جيدنز، الذي أصدر في القرن الماضي كتاباً تحت هذا العنوان، وإن كان غلب عليه فكرة طريق ثالث اقتصادي. إلا أن تبني رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير لفكرة الطريق الثالث وهو في طريقه إلى فوز حزب العمال وتشكيله الحكومة في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي أعطى مفهوم «الطريق الثالث» بعداً سياسياً أيضاً.
لم تكن تجربة بلير كافية لتأسيس نهج فكري للمبدأ تم اختباره سياسياً على أرض الواقع، وكانت النتيجة إضعاف حزب العمال الذي حوّله بلير وغوردون براون إلى «العمال الجديد»، ففقد هويته التقليدية دون أن يكسب هوية حقيقية جديدة.
قياساً على ذلك، يصعب تصور أن تحقق دعوات الطريق الثالث في النظام العالمي الذي يتشكل قدراً كبيراً من الإنجاز لعدة أسباب. أولها أن الطريق الثالث يكون بين طريقين، ولا يوجد حالياً سوى الطريق الأمريكي. فالصين رغم تطورها الاقتصادي وقوتها الصاعدة لا تريد لعب دور دولي كالذي لعبه الاتحاد السوفييتي السابق مع الولايات المتحدة. ثانياً، يصعب تحديد من يوصف بقوة وسطية من بلدان العالم اليوم. وهكذا فإنه حتى «التحالف الفضفاض» بين دول أو مجموعات قد لا يرقى إلى قطب عالمي جديد.
[email protected]
مفهوم أن الأخبار تحتاج «الإثارة» للفت الانتباه، لكن المبالغة في «التهويل» قد تأتي بنتائج عكسية أحياناً ويكون ضررها أكثر من نفعها، في حرب الخليج السابقة جرى تضخيم قوة العراق العسكرية لينتهي الأمر بغزوه واحتلاله مطلع القرن و«إعادته إلى العصر الحجري» بوصف الأمريكيين، ويبالغ البعض الآن في قوة إيران بينما يجري تدميرها بشكل قد لا يختلف عما حدث للعراق قبل أكثر من عقدين.
ربما يرفع التهويل من الروح المعنوية للبعض في حالة الحروب، لكن المبالغة والتضخيم فيما يتعلق بالاقتصاد تنعكس سلباً على الجميع، فمنذ بداية الحرب، يحذر كثيرون من مخاطر اقتصادية هائلة قد تدفع بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي، أي توقف النمو والانكماش مع ارتفاع التضخم وزيادة معدلات البطالة.
أتذكر أني كتبت في «بي بي سي» أثناء الأزمة المالية العالمية في نهاية العقد الأول من هذا القرن رداً على من توقعوا «انهيار نموذج دبي» نتيجة الأزمة، وفندت بالمنطق ذلك «التهويل» وقتها وأشرت إلى أن النموذج لن ينهار بل سيخرج من الأزمة ربما نحو الأفضل، وهو ما حدث في الواقع.
مع أن المثال هنا يختلف إلى حد ما، لكن لا أظن أن التهويل عن التبعات الاقتصادية للحرب واقعياً تماماً، دون أن ننفي أن أضرار الحرب الاقتصادية حقيقة واقعة بالفعل وقد تتطور، لكنها ليست بالصورة التي يرسمها البعض عن انهيار الاقتصاد العالمي إذا استمرت الحرب.
صحيح أن أسعار النفط ترتفع وتنخفض مع طول أمد الحرب، لكنها تتحرك في نطاق ضيق حول مئة دولار للبرميل، ورغم تعطل الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز لم تتوقف الإمدادات وإن انخفض المعروض النفطي قليلاً لكنه لم يؤثر في توازن السوق، ولدى الدول المنتجة في الخليج والدول المستهلكة في العالم تدابير احتياطية لمواجهة أي تصاعد للأزمة بما يحول دون صدمة كبيرة كالتي حدثت في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي.
ثم إن الاقتصاد العالمي، الذي يقوده أكبر اقتصاد في العالم بالولايات المتحدة، يتمتع بمرونة فاجأت حتى بعض الاقتصاديين الغربيين الذين وقعوا في فخ التهويل مع بداية الحرب، وها هم الآن يتحدثون ويكتبون عن أن «الاقتصاد أثبت أنه أقوى مما توقعوا»، أما إذا أخذنا الأسواق كمؤشر فهي لم تنخفض بشدة، بل إن التراجع فيها لا يختلف عن عمليات تصحيح سابقة بنسبة معقولة، وربما أقل مما حدث في أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة.
بالتأكيد هناك أضرار للحرب، خاصة على الدول الأكثر عرضة للمخاطر، وهناك احتمالات لارتفاع معدلات التضخم مع زيادة الأسعار ليس للطاقة فقط ولكن للغذاء وأغلب ما يستهلكه البشر حول العالم. لكن ذلك ليس بقدر التهويل الذي يتردد عن الاقتصاد. حتى الحديث عن تضرر الاقتصادات الآسيوية أكثر من غيرها، وهو صحيح، قد يكون مقدمة لخروج تلك الاقتصادات من الاعتماد على نموذج سلاسل توريد معينة إلى تنويع يضمن لها الاستدامة في النمو بعد الحرب.
يتبخر التهويل العسكري، والسياسي، بسرعة أمام تطورات الواقع، أما التهويل الاقتصادي فقد يسبب أضراراً آنية خاصة وأن الكثير من الأسواق تتعامل وتتداول استناداً إلى الأخبار مدفوعين بما يسمى «العالم النفسي». ومن شأن التهويل أن يدفع نحو مخاطر لا تستند إلى واقع، إما بعمليات بيع هائلة للأسهم والسندات أو التردد في الإنفاق الاستثماري أو ما شابه.
هذا التفاعل نتيجة التهويل يكون أكثر ضرراً من التبعات الاقتصادية الفعلية للحرب، سواء على أسواق الطاقة أو على قطاعات الاقتصاد المختلفة.
ورغم أنه في أوقات الصراعات الساخنة يكون من الصعب ضبط التوقعات، إلا أن المعنيين بالاقتصاد يتعين أن يفكروا ببرودة أعصاب واتزان العقل، فأي إجراءات أو سياسات تتقرر تحت ضغط التهويل قد تكون نتائجها عكسية وتترك أثراً سلبياً على المدى الطويل.
ستنتهي الحرب، بنصر وهزيمة أو باتفاق وتسوية، وتتبخر معها حملات التهويل العسكري والسياسي، أما الاقتصاد فهو قائم على واقع أكثر رسوخاً ويجب التعامل معه على هذا الأساس.
[email protected]
ربما كانت القضية الأولى التي تحظى باهتمام السياسيين فيما يسمى «الديمقراطيات الغربية» هي قضية الهجرة والمهاجرين. وتتباين المواقف ما بين اليمين التقليدي المعادي للهجرة واليمين المتطرف الصاعد الذي يرفع شعارات عنصرية وبين اليسار الذي يزايد على اليمين أحياناً بتلك القضية التي تشكل دعاية انتخابية مثالية.
يعزز من ذلك الإعلام الغربي، الذي ننقل عنه بالعربي، من يمينه إلى يساره، الليبرالي منه والمتشدد. والقصد هنا هو الهجرة من دول الجنوب النامية والتي يعاني بعضها من حروب وأزمات، حتى لو كان الغرب السبب فيها مباشرة أو بشكل غير مباشر، إلى دول الغرب المتقدم.
ورغم أن هناك أصواتاً، خافتة جداً، في الغرب تحاول الرد على تلك الحملات الواسعة بتوضيح الفائدة الاقتصادية للهجرة واعتماد اقتصاد الدول المتقدمة على المهاجرين في قطاعات كثيرة إلا أن الصوت المتسيد هو العداء للهجرة والمهاجرين.
إنما ما لا يتحدث عنه أحد، خاصة في السنوات الأخيرة، هو هجرة الغربيين من بلادهم إلى دول الجنوب التي أخذت في الزيادة مؤخراً حتى كادت تعادل أو تزيد على الهجرة إلى بلاد الغرب. وليس لدى الدول الغربية إحصاءات بأعداد المهاجرين منها، أي الذين يتركون بلادهم إلى بلاد أخرى من دبي إلى تايلاند، لأغراض الإقامة وليس السياحة أو سفر الأعمال والتجارة.
حاولت مجلة «الإيكونوميست» في عددها الأخير تقديم صورة عن حجم الهجرة من الدول الغربية استناداً إلى أرقام رسمية مختلفة، فكانت النتيجة مدهشة حقاً. شمل تقرير المجلة أكثر من ثلاثين بلداً غربياً مثل استراليا وبريطانيا وكندا وألمانيا. مرة أخرى ركز الإحصاء والتحليل على المهاجرين من تلك الدول للإقامة في دول أخرى وليس لأغراض السفر المؤقت.
كانت النتيجة أن ما يزيد على أربعة ملايين شخص هاجروا من تلك البلاد الغربية في العام قبل الماضي 2024، بزيادة بنسبة عشرين في المئة عما كان عليه الوضع قبل وباء كورونا عام 2020. أما الولايات المتحدة، التي لم يشملها تقرير «الإيكونوميست» فقد هاجر منها العام الماضي 2025 نحو ثلاثة ملايين شخص، مقابل مليونين من المهاجرين الأمريكيين عام 2021.
تراجعت بشدة الهجرة من الدول الأخرى إلى دول الغرب مع تشديد الولايات المتحدة ودول أوروبا وغيرها قوانين وإجراءات الهجرة واللجوء، بل وترحيل المهاجرين بأعداد كبيرة. مع الأخذ في الاعتبار أن كثيراً من المهاجرين إلى الغرب لا ينوون البقاء، فمن ذهبوا للدراسة سيعودون بعد نهايتها وكذلك العمالة المؤقتة في مواسم معينة يعودون إلى بلدانهم.
منذ ما بعد وباء كورونا أصبحت ظروف العمل أكثر مرونة وبالتالي يمكن العمل عن بعد، بدلاً من العمل في بلد العمل يمكن من مكان في بلد آخر. إنما الدافع الآخر المهم لهجرة الغربيين من بلادهم هو السياسات الضريبية وتكاليف المعيشة. ولعل المثال الأبرز هو بريطانيا التي يغادرها البريطانيون، ليس فقط إلى دبي ومدن آسيوية أخرى فحسب، وإنما أيضاً إلى دول أوروبية مثل إسبانيا وغيرها.
تشير الأرقام والإحصاءات إلى أنه منذ عام 2019 هناك نحو مليوني غربي يعيشون في بلدان غربية أخرى، ويمثل المهاجرون الأمريكيون من هؤلاء نسبة تقارب النصف. إذ ليست ظروف العمل وزيادة الضرائب السببين فقط لهجرة الغربيين من بلادهم، بل هناك أسباب تتعلق بالسياسة أيضاً.
يلاحظ أنه منذ أن جاءت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة مطلع العام الماضي زادت أعداد الأمريكيين الذين يهاجرون إلى دول في الخليج أو حتى دول غربية مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها. لا يقتصر الأمر على الأثرياء الذين يهاجرون كي لا يدفعوا ضرائب عالية، أو من لديهم من الأموال ما يجعلهم يختارون العيش في مناطق أفضل. بل إن هناك من المواطنين العاديين من يهاجر خشية زيادة العنصرية وتراجع مستوى المعيشة، ليس المادي فحسب وإنما الاجتماعي أيضاً.
مع استمرار صعود اليمين المتطرف في الدول الغربية يتوقع أن ترتفع أعداد المهاجرين من الغرب أكثر وتتراجع أعداد المهاجرين إليه.
في مقابلة لها مع صحيفة «الفاينانشيال تايمز» قبل أيام، اتهمت مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس الولايات المتحدة بالدفع نحو «انقسام أوروبا» ببذر الشقاق بين دول الاتحاد الأوروبي ما بين مؤيد ومعارض لسياسات واشنطن. إنما الواقع أن أوروبا تواجه تحديات ذاتية تهدد مستقبلها الموحد حتى من قبل حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصعود اليمين المتطرف في الغرب.
فلم تكد عملية تشكل الاتحاد الأوروبي تكتمل حتى بدأ الشقاق بين أعضائه على أسس اقتصادية وسياسية وغيرها. ورغم أن معاهدة «ماستريخت» لعام 1993 التي شكّلت الأساس القانوني للاتحاد الأوروبي ليحل محل السوق الأوروبية المشتركة ما زالت سارية إلا أن عدداً من الدول التي انضمت إلى الاتحاد فيما بعد غير متسقة تماماً مع قواعدها.
بدأت العملية باجتماع ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وثلاث دول أخرى في روما عام 1957 لتشكيل السوق المشتركة، لتنضم إليها بقية دول أوروبا الغربية كلها تقريباً تباعاً حتى منتصف الثمانينات. ومع منتصف العقد التالي بلغ عدد الأعضاء خمسة عشر مع إعلان الاتحاد. واستمرت عملية تشكيل مؤسسات الاتحاد ومقره بروكسل ببلجيكا حتى إطلاق العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) مطلع القرن الحالي.
ومن علامات الشقاق الأوليّ في الاتحاد أن كل الدول الأعضاء لم تشترك في العملة الموحدة، إذ ظلت دول مثل بريطانيا متمسكة بعملتها باعتبارها مسألة «سيادية». هذا فضلاً عن خلافات في السياسات بشأن كثير من القضايا من الدعم الزراعي إلى المواقف في السياسة الخارجية والهجرة.
ثم كان التوسع الأكبر للاتحاد، الذي بدأ في 2004 بضم دول أوروبا الوسطى والشرقية، ليصل عدد دول الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2013 إلى خمس وعشرين دولة. ورغم أن البعض قد يشير إلى بداية أزمات الاتحاد مع تصويت البريطانيين في استفتاء عام 2016 على الخروج منه، إلا أن المشاكل تفاقمت منذ توسيع الاتحاد الهائل بداية القرن. في النهاية خرجت بريطانيا رسمياً من الاتحاد الأوروبي في 2020، في سابقة أسست لاحتمال خروج غيرها.
منذ بداية السوق المشتركة وحتى تأسيس الاتحاد، لم يكن هناك تجانس كبير بين الدول الأعضاء. إنما كانت رؤية الدول الأساسية في الاتحاد أنها عملية طويلة قد تأخذ عقوداً حتى يحدث التجانس أو على الأقل يتطور بما يكفي لتشكيل أرضية لتعزيز المؤسسات الأوروبية المشتركة.
لكن التوسع بضم دول خرجت لتوها من نظم حكم اشتراكية تختلف جذرياً عن نظم دول أوروبا الغربية كان عملية فيها من «التطوير القسري» ما هز بالفعل أسس الاتحاد.
ومنذ ذلك الحين تصاعدت الخلافات داخل الاتحاد إلى الحد الذي كان يعطل أحياناً سياسات اقتصادية طارئة مثل اتفاقات الدعم المالي والإنقاذ لاقتصادات وقعت في أزمة وخلافات حول الميزانية الأوروبية. ناهيك طبعاً عن التباين الشديد في السياسة الخارجية من قضايا المحيط الأوروبي والعالم.
صحيح أن الولايات المتحدة لم تكن غائبة تماماً عن كل تلك التطورات، لكنها لم تكن فاعلة في تلك الخلافات بالقدر الذي بدأ يظهر مع ولاية ترامب الأولى في النصف الثاني من العقد الماضي.
ولعل غزو واحتلال العراق في مطلع القرن كان أكبر أزمة أظهرت شقاقاً في موقف الاتحاد الأوروبي، فبينما عارضت فرنسا الحرب كانت ألمانيا ودول أخرى تؤيدها وإن على استحياء، بينما شاركت فيها بريطانيا كحليف أساسي في الحرب على العراق. في النهاية لم يكن هناك موقف أوروبي موحد يعزز دور بروكسل كعاصمة لاتحاد متماسك.
لا تزال أوروبا تبحث عن ذاتها، هل هي أوروبا الغربية ودول الرأسمالية والديمقراطية التمثيلية الراسخة، أم القارة الكبيرة بوسطها وشرقها مع كل التباين الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وحتى الثقافي أم مجرد دول تتعاون بدرجة ما اقتصادياً وتجارياً؟ وربما ما تفعله سياسات ترامب هو فقط عامل محفز لتنشيط خلافات ومتجذرة أصلاً في الاتحاد الأوروبي. حتى لو كانت واشنطن تدعم صعود اليمين المتطرف الأوروبي، فإن لذلك جذره في القارة من قبل.
[email protected]
طبيعي أن الضحية الأولى في أي حرب هي الحقيقة، وأن الإعلام في الأغلب يستخدم كسلاح في الصراعات، إما عبر التسريبات المضخمة لأغراض التضليل المتعمد بشأن الخصم أو لرفع الروح المعنوية أو لأغراض التعمية عن الأهداف الحقيقية من باب أن «الحرب خدعة». كل ذلك مفهوم ومعروف منذ الأزل، حتى قبل انتشار وسائل الصحافة والإعلام التقليدية.
مع انتشار الإنترنت، خاصة على الهواتف الذكية، ومواقع التواصل وتطبيقات الدردشة زادت وتيرة التضليل ونظريات المؤامرة. وبالطبع تعلو الوتيرة أكثر مع الحروب والصراعات، حتى أصبح الأمر لا يتعلق بضياع الحقيقة فحسب بل بما يمكن تصديقه.
حتى قبل سنوات، كانت وسائل الإعلام التقليدية تمثل المعادل الذي يثق فيه الناس باعتبارها تعتمد الصحافة المهنية وتحرص على مصداقيتها.
وحتى في أوقات الصراعات والأزمات، ومهما كانت الهفوات، بقيت وسائل الإعلام التقليدية مرجعاً للجمهور، يقلل من خطر التضليل والدس المعلوماتي والشائعات على مواقع التواصل.
إلا أنه في السنوات الأخيرة بدأت وسائل الإعلام التقليدية تنزلق حثيثاً إلى مستنقع ما يروج من محتوى على الإنترنت ومواقع التواصل وأغلبه كذب وتضليل وإن كان مثيراً ومساعداً على الانتشار. ومنذ تسلل محتوى مواقع التواصل إلى الصحافة ووسائل الإعلام التقليدي، بدأت ثقة الجماهير في تلك المنافذ تهتز.
صحيح أن هناك منافذ إعلامية ما زالت تحافظ على مصداقيتها والتزامها المهني إلى حد كبير، لكن إغراء «الجري وراء المثير» جعل أغلب الإعلام يساير مواقع التواصل. ومع تطور برامج تزييف الأصوات والصور والفيديو، أصبح من الصعب على الناس تبيّن الحقيقة من الكذب والتضليل.
حتى التطور التكنولوجي المهم مثل برامج وتطبيقات «الذكاء الاصطناعي» أصبح أداة لتعميق التزييف حتى يصعب تدقيق المحتوى والتأكد من صحته. وأصبح الكثير من وسائل الإعلام يقع في فخ ترويج مواد مزيفة، حتى وإن عاد واعتذر عن ذلك، فإن الضرر يكون قد وقع بالفعل وتشاركه الجمهور على نطاق واسع باعتباره حقيقة لأنه جاء من وسيلة إعلامية تقليدية.
من مبررات هذا التراجع عوامل تسويقية، قد تكون مفهومة، صاحبتها شعارات من قبيل «صحافة المواطن» وغير ذلك من مقولات أغلبها «حق يراد به باطل». ونشط الناس في استخدام برامج متاحة مجاناً على الإنترنت لتزييف كل شيء، حتى أصبحت تغذية برامج الذكاء الاصطناعي على المحتوى المتوفر رقمياً تؤدي في النهاية إلى نتائج غير دقيقة وأحياناً مضللة.
تضاعفت أضرار ذلك الخلل في الحرب الحالية مع الانتشار الواسع لكم من التزييف والتضليل على الإنترنت بشكل غير مسبوق. لا يقتصر الأمر على طرف ما، وإنما كل الأطراف في الواقع، حتى إن رئيس القوة العظمى الوحيدة حالياً في العالم يلجأ إلى حيل التزييف الرقمي لبث محتوى مغرض على موقعه الخاص للتواصل.
في سياق محاولة مجموعات «مستأجرة» على الإنترنت لترويج كذبة أو نظرية مؤامرة لغرض ما، تنتشر المواد المزيفة بكثافة بل وتلتقطها أحياناً وسائل إعلام تقليدية بما يضفي عليها مصداقية وهمية. مفهوم أنه في أوقات الحروب والصراعات والأزمات يروج الناس لما يوافق هواهم، وليس للواقع أو الحقيقة. لكن قبل ذلك لم تتوفر كل هذه الأدوات الرقمية للتزييف والتضليل بهذا الشكل. ولم تكن وسائل الإعلام التقليدية فقدت الكثير من مهنيتها ومصداقيتها.
إن أغلب الصور والفيديوهات المنتشرة بكثافة على الإنترنت، ويشاركها الناس ويروجونها أكثر فأكثر، ليست سوى تزييف وتضليل متعمد ليصادف هوى في نفس من بثها للمرة الأولى ويتلقفها من تصادف أهواءهم. ومرة أخرى لا يقتصر ذلك على المحتوى الرقمي بالعربي، بل وبالإنجليزية وبلغات أخرى. ففي النهاية ليس «الخواجات» سوى بشر مثلنا يرتكبون الخطايا ذاتها.
الخلاصة، هذه ربما تكون فرصة لما تبقى من مهنية ومصداقية الإعلام التقليدي كي نؤكد عليها ونعززها مستفيدين من فضح الكم الهائل من الزيف والتضليل على الإنترنت. ليس فقط لاستعادة مكانة الصحافة والإعلام، بل أيضاً لحماية الأمن الوطني من مخاطر انتشار الزيف والتضليل.
[email protected]
صحيح أن الضحية الأولى للحرب، أي حرب، هي الحقيقة. فأطراف الصراع يكذبون، أو على الأقل «يجمّلون» الحقائق بما يسمونه «حقائق بديلة» إما لتبرير مواقفهم أو لتضخيم إنجازاتهم والتقليل من قدرات الطرف الآخر. وكل ذلك مفهوم في إطار الحرب التي تحتاج إلى دعم لمعنويات المتقاتلين ولو بالكذب اًحياناً.
إنما ما يحدث في حرب إيران الأخيرة كشف عن مخاطر «السيولة» الهائلة لنشر الزيف والتضليل وأحياناً تفسيرات المؤامرة المتعمدة التي تجد طريقها للملايين من مستخدمي مواقع التواصل على الإنترنت. لا يقتصر التضليل والتهويل على مواقع التواصل فحسب، بل أيضاً في بعض منافذ الصحافة والإعلام.
قد يتصور البعض أن هذا التضليل والتهويل يسود في المحتوى المتداول عربياً، إنما الحقيقة أنك تجد ذلك أيضاً لدى «الخواجات» سواء على مواقع التواصل أو حتى في الصحافة والإعلام. ويعود ذلك إلى ما قبل الحرب الاخيرة، مع التهويل من قدرات إيران العسكرية و«تخويف» العالم من مخاطرها المبالغ فيها. وذلك بما يشبه إلى حد كبير التهويل من قدرات العراق العسكرية قبل غزوه واحتلاله والتي ثبت في الواقع أنها مبالغات مضللة.
إذا كان ذلك يندرج في سياق «حرب المعلومات» ومحاولة أطراف الصراع تسييد روايتهم على حساب رواية الطرف الآخر فذلك مفهوم إلى حد كبير. لكن التضليل والتهويل في الأيام الماضية بلغ حداً تجاوز حدود العقل والمنطقة وكأنما له أغراض تتجاوز صراعاً عسكرياً في منطقة مشحونة بالتوتر أصلاً.
ففي الغرب نجد تهويلاً من تبعات الحرب على المنطقة وعلى الاقتصاد العالمي لا تعكسه تقديرات المؤسسات المهنية. على سبيل المثال، في آخر تقرير وصلني من مؤسسة «فيتش» للتصنيف الائتماني هذا الأسبوع لا تتوقع المؤسسة تأثيراً كبيراً للحرب على الاقتصاد العالمي، ولا على أسواق الطاقة وتشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط سيكون مؤقتاً. حتى إنها لم تعدل تقديراتها لمتوسط الأسعار هذا العام الذي أصدرته نهاية العام الماضي.
هناك في الغرب، من أقصى اليمين المتشدد إلى أقصى اليسار المتشدد (أي المتطرفين على جانبي الطيف السياسي)، من لا يعجبه أمن واستقرار دول الخليج العربية. وهؤلاء «ينظرون» ويحللون بما يدفعهم هواهم وليس على أساس الحقائق على الأرض. وليس كل ذلك على مواقع التواصل فحسب، بل حتى في وسائل الأعلام أيضاً.
في المقابل هناك أصوات عاقلة ومنطقية تنظر للأمور كما هي دون تهويل وتحاول تقديم وجهة نظر سليمة. لكن العادة أن التضليل والتهويل يكونان أعلى صوتاً وأكثر إثارة فينتشر أكثر. مثال واحد ما كتبه المعلق جانان غانيش في صفحة الرأي ب«الفينانشيال تايمز» بعنوان «ستظل لدينا دبي» رداً على التهويل بشأن مستقبل نموذج متفرد بسبب الهجمات الايرانية.
يغرق المهوّلون في الغرب والمضلّلون في منطقتنا في «الغيرة» وربما حتى الحقد على أي نموذج مضيء مثل دبي. في الغرب ربما لأنهم يجدونه نموذجاً ناجحاً جاذباً للسياح ورجال الأعمال على عكس بلدانهم، وأيضاً لأنه نموذج يصعب تقليده في أي مكان آخر في العالم، فكل محاولات اقامة «دبي أخرى» هنا أو هناك لم تصل إلى ربع نجاح «دبي الاماراتية».
أما في المنطقة، فطبيعي فهناك جماعات متطرفة أيضاً، كمتطرفي اليمين واليسار في الغرب، في مقدمتهم جماعة الإخوان التي لا تريد خيراً لا لدبي ولا للإمارات ولا لكل دول الخليج ولا المنطقة العربية كلها.
لقد عشت وعملت في دبي والدوحة وأبوظبي، وأظن أن الملايين مثلي لا يمكن أن يتأثروا بذلك التضليل والتهويل. وأن كل هؤلاء، وهم أغلبية لحسن الحظ، لايريدون إلا الأمن والسلامة والخير والرفاه ليس فقط لدول الخليج بل لكل شعوب المنطقة.
الأمر الجيد حقاً أن المقيمين في الإمارات وبقية دول الخليج يلعبون دوراً إيجابياً في مواجهة التضليل والتهويل. ليس فقط بأنهم يتصرفون على أن تلك بلادهم الثانية، ولكن لأنهم في كل مرة يتواصل معهم أهلهم من بلادهم الأصلية يقومون بشرح الواقع وأنهم يعيشون حياتهم وأعمالهم بشكل طبيعي في ظل أمان حقيقي على عكس تهويل مواقع التواصل.
وسينقشع غبار التضليل المتعمد ولا عزاء للمهوّلين والمضلّلين الذين ما أرادوا إلا بالناس سوءاً وفتنة سترتد عليهم بالتأكيد.
[email protected]