يحيى زكي

لا يمكن العودة إلى الماضي بأي حال من الأحوال، تلك حقيقة بدهية على المستوى العلمي الفيزيائي، ولكننا نعني هنا الماضي التاريخي، أي كل من يحاول استلهام الماضي أو إعادة إحياء أحداثه أو الامتداد بها لتحكم الحاضر أو تؤثر فيه، وبهذا المعنى سنجد الغالبية العظمي من البشر تحاول إعادة الماضي أو تعيش فيه ذهنياً أو وجدانياً.
إن استلهام أحداث الماضي ووقائعه وأفكاره ضرب من التوهم يعتري البشر، وهو نزوع مستحيل، وربما نتطرف هنا ونقول إن مجرد الاستفادة من الماضي لا محل لها من الإعراب، وذلك لأننا بعكس الشائع ندرس الماضي فلا نتعلم منه، ولا نستفيد من نقاطه المضيئة، ونكرر الأخطاء نفسها على مستوى الأفراد والشعوب، وكأن التاريخ في أخطائه ولحظاته المظلمة درس لا نهاية له يتعلمه طالب يتسم بالغباء أو عدم الانتباه.
على المستوى النظري البحت، تتطلب إعادة الماضي إحياء الظروف نفسها التي وقعت بقواها الفاعلة وحتى أطرها النظرية، وهذا مستحيل. أما مبررات من يرفعون شعار العودة إلى الماضي فهي تنقسم إلى قسمين، الأول فكري، فالماضي كان أفضل من الحاضر، وبعضهم يعتقد أنه كان جنة وردية، وهي رؤية تاريخية شبه عقائدية، تذهب إلى أن الزمن يسير من سيئ إلى أسوأ، في هذا الجانب سنجد أصحاب الأفكار والأطروحات التي تتوقع نهاية الزمان برؤاها الكابوسية.
القسم الثاني داخل هذه الرؤية تاريخي، فهناك من يحاول أن يثبت بطرائق عدة أن الماضي كان أجمل من الحاضر، وهي دعوة لا تثبت أمام النقد الموضوعي، فالبشر في حقيقة الأمر يسيرون نحو «الأمام» بكل ما تحمله الكلمة من معنى ومغزى، وعلى المستويات كافة، التعليم والصحة ومستويات المعيشة والقدرة على التواصل، والأهم من ذلك أن أفكاراً وقيماً مثل الحرية والإخاء وحقوق الإنسان باتت معروفة على نطاق واسع وتلقى قبولاً عند جميع البشر، بغض النظر عن تحققها على الأرض، وإذا عدنا إلى الماضي فسنجد هذه الأفكار تتعلق بأقلية نخبوية كانت معزولة وينظر إليها شزراً أو بتحفز وأحياناً بريبة.
هناك بعض السلبيات التي ترافق التقدم بالطبع مثل تخوفنا على قوة ومتانة العلاقات الاجتماعية وتزايد اغتراب الإنسان واكتساح ثقافة التكنولوجيا فائقة الحداثة، ولكن كل هذه السمات بمثابة ضريبة التقدم.
هناك فريق آخر ممن ينظر إلى الماضي برومانسية على أساس أن الصراعات في الحاضر باتت لا تحتمل، ولكن هذا الفريق ينسى أو يتناسى أن أكثر الحروب شراسة، والتي كانت تلون الأنهار بالأحمر نتيجة للمذابح والجرائم البشعة، وأشد الأوبئة فتكاً التي كانت تقتل نصف سكان هذا المكان أو ذاك، كلها أحداث وقعت في الماضي، تحفظها بطون كتب التاريخ.
يتبقى لدى عشاق الماضي أو دعاته فكرة تعزية النفس فما حدث انتهى وعرفناه، والخوف من المقبل يظل في دائرة المجهول، وكل مجهول يثير التحسس، وهو نزوع فطري وبدائي.
لن نتقدم إلا بترسيخ رؤية تتخلص من الماضوية، ولا تؤمن إلا بضرورة الانخراط في المستقبل وتستكشف المجهول بنزوع جمالي.