عبد الإله بلقزيز

تُشبه العنصريّةُ تجاه لونِ بَشَرةٍ مّا تلك التي تنتصب ضدّ أعراقٍ أو أديان أو أنساب. فعْلٌ من الأفعال البغيضة والمُهيمنة لكرامة الإنسان وإنسانيّته هي هذه العنصريّة مثل سواها، تختلف الأنواعُ والجوهرُ الرّديء واحد. قد لا يخلو مجتمعٌ من أمراض هذه النّزعة البغيضة حين ينقسم إلى مجموعات سكّانيّة أفرادُها من سِحْنات متنوّعة، فتَسْتَحِلّ مجموعةٌ لنفسها الحقَّ في الشّعور بالتّفوّق والاستعلاء على غيرها من المجموعات التي تختلف عنها في اللّون، أو الذي يُنْظر إلى لون بَشرتها نظرةً احتقاريّة أو دونيّة.
ولكنّ الأنكى من أن تُصاب جماعةٌ داخل مجتمعٍ مّا بهذه العنصريّة تجاه جماعة/ جماعات أخرى، شريكة لها في الموطن والاجتماع هو أن يُصاب مجتمع وشعب برمّته بهذه اللّوثة وأن تتكرّس فيه ثقافة جماعيّة متوارَثة! وتلك، مثلاً، حالُ مجتمعات/شعوب أوروبا وأمريكا الشّماليّة التي تغلغلت فيها عنصريّةُ اللّون وحمَلها معهم المستوطنون المستعمِرون البيض إلى أصقاع الأرض كافّة التي أقاموا فيها تجمُّعاتهم الاستيطانيّة فمارسوها ضدّ السّكّان الأصليّين في تلك البلاد!
دائماً ما كان للبيض عقدةٌ مكينة مع اللّون الأسود على سِحْنات البشر، على ما تفيدنا بذلك مصادر التّاريخ الاجتماعيّ القديمة، وعلى ما تفيدنا به تجربة أوروبا الحديثة، منذ بدايات القرن السّادس عشر، مع السّود ومع تجارة الرّقيق فيهم. ولقد تطوّرت عقدةُ الرّجل الأبيض هذه مع اللّون الأسود إلى حيث اتّسعت نطاقاً لتفيض عن حدود السّود، فشملت ذووي ألوانٍ أخرى: من الشّعوب الصّفر (آسيا تحديداً) إلى المختلطي الألوان في غرب آسيا وشمال إفريقيا وأمريكا الوسطى والجنوبيّة...إلخ.
لم تكُنِ العبوديّةُ، ورسوخُها تجارةً وسلوكاً ومَأْلَفاً، هو ما قاد إلى عنصريّة اللّون (فعبوديّة البيض للبيض كانت منتشرة منذ زمن بعيد، والاسترقاق ظلّ تقليداً في الحروب، منذ عهدٍ بعيد، بمعزل عن لون بَشَرة مَن اسْتُرِقّ)، وإنّما العنصريّةُ ضدّ السّود هي ما أفضت إلى استعبادهم واستجلابهم من مَواطنهم الإفريقيّة مادّةً لتجارة الرّقيق.
ولكن بينما كان على غزاة أمريكا من الأوروبيّين إبادة ما يزيد عن مائة وعشرين مليوناً من سكّان القارّة ومن مختلِف شعوبها الأصليّة، كان عليهم أن يستقدموا سكّاناً آخرين من خارج أمريكا في أعمال السُّخرة (في المزارع والمناجم) في القارّة الجديدة، فكان أن استقدموا ما لا يقلّ عن خمسة عشر مليوناً من العبيد، من الأفارقة السّود، الذين اشتراهُم الأوروبيّون من أسواق الرّقيق، أو مباشرةً من شبكات تجارة الرّقيق التي أسّسوها هُم أنفسُهم في غرب إفريقيا، لتبدأ السّفن البرتغاليّة والإسبانيّة، ثمّ الفرنسيّة والإنجليزيّة في نقلهم إلى القارّة الأمريكيّة مشحونين مثل البضائع، وهي التّجارة التي استمرّت نافقةً منذ عشرينيّات القرن السّادس عشر إلى ستينيّات القرن التّاسع عشر: حين أعلن أبراهام لنكولن - رئيس الولايات المتّحدة الأمريكيّة - قرار إلغاء العبوديّة في البلاد.
على أنّ عنصريّة اللّون لم تنته بإلغاء العبوديّة وتجارة الرّقيق (وهي مستمرّة إلى اليوم في مجتمعات عديدة)، بل لِنَقُل إنّه انتهى طورٌ منها ليبدأ طورٌ ثان يحمل اسم الميْز العنصريّ والذي على أساسه تبدأ، في المجتمعات المصابة به، إجراءاتُ العزْل والفصل العنصريّ للسّكّان.. ولم تكن نخبُ البِيض العنصريّة الحاكمة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة وجنوب إفريقيا هي من بادرت - بعد تدبُّرٍ ومراجعة - إلى إلغاء نظام الميز العنصريّ، وإنّما هي أُكْرِهت على ذلك كَرْهاً من طرف حركات السّود ونضالاتها الكثيفة نفسها مضطرَّةً لأن تتجرّع مرارةَ قرار الإلغاء في الولايات المتّحدة، ابتداءً، بين العامين 1964 و1968 ثمّ في جنوب إفريقيا تالياً، في أوائل عقد التّسعينيّات من القرن العشرين.
مع ذلك، سيكون عسيراً الاعتقادُ بأنّ إلغاء نظام الميْز العنصريّ في أمريكا وجنوب إفريقيا، وقبله إلغاء العبوديّة في أمريكا وأوروبا، سيضع حدّاً للنّزعة العنصريّة تجاه السّود والملوَّنين، إذِ الأمرُ يتعلّق بنزعةٍ تشرّبتْها مجتمعاتُ البيض وتشبّعت بها إلى الحدّ الأبعد الذي يُخْشَى معه من أن يأخذ التّحرُّر منها زمناً مديداً. والنّزعةُ هذه تكاد أن لا تُخفيَ نفسَها في الحياة العامّة في تلك المجتمعات والبلدان، فمَن يمنع المرء من أن يعتقد، مثلاً، بأنّ انتخاب دونالد ترمب للرّئاسة في ولايته الأولى تعبيرٌ عن ردّ فعل مجتمع البيض على انتخاب رئيس أسود، من أصول إفريقيّة، هو باراك أوباما!
[email protected]