إذا كان للحرب الدائرة الآن في المنطقة من دروس مستفادة، فثمة درسان في المقدمة، الدرس الأول هو أن إيران ليست فقط نقطة تماس خليجي، بل مكون أساسي في نسيج المنطقة، ولذا تظل علاقتها بدول الخليج إشكالية متجددة تبحث عن حل دائم، لا يمكن أن يكون عبر السلاح، لقد أحسن الخليجيون إذ تصرفوا بحكمة إزاء الهجمات الإيرانية على بلادهم وبعض مصالحهم، ولم يندفعوا إلى الحرب معها، فأحبطوا حلم تحويل دول الخليج إلى طرف أساسي في حرب مع إيران. ارتكبت إيران، بلا شك، خطأً جسيماً لا يمكن تبريره، وإن أمكن فهمه باعتباره سلوكاً يائساً لدولة وجدت نفسها في مواجهة الآلة العسكرية الأقوى في العالم، وقد فقدت خلال الساعات الأولى للحرب عدداً كبيراً من قادتها السياسيين والعسكريين، على رأسهم المرشد الأعلى، قطب رحى النظام الحاكم، ما يعنى أنها واجهت خطراً وجودياً.
لقد كانت دول الخليج العربي ضد الحرب، وحذرت منها الولايات المتحدة، التي صمت أذنيها عن حديث العقل السياسي وتحذيرات الخبراء الاستراتيجيين، وانساقت إليها رغم تداعياتها الخطِرة.
يقتضي هذان الدرسان ضرورة التفكير الجاد في بناء نظام للأمن الجماعي الإقليمي، ينطوي على دول الخليج أساساً مع مصر والعراق، ويتسع لتركيا وباكستان استناداً إلى إدراكين أساسيين: أولهما أن غياب إيران عن أي إطار إقليمي، يجعلها أقرب إلى «فاعل شبح» يطرح تأثيراته من داخل فضاء مظلم، يمنحها فرصة التخفي ويعفيها من عبء الحساب، ومن ناحية هي قوة موجودة في ثنايا الإقليم، فاعلة في جل أزماته، لكنها في المقابل، غير مرئية بوضوح، يصعب حسابها لأنها غير محكومة بنسق ذي قواعد يتيح مساءلتها، نسيج من التفاعلات يقيدها، يحملها مسؤولية أفعالها غير الرشيدة، يرتب أثماناً يتوجب عليها أن تدفعها، على الأقل حرمانها من نسيج العلاقات الودية والمصالح المتبادلة الذي يحيط بها، وهنا يمكن سرد عشرات الحجج التي تؤكد على أن الموقف الاستراتيجي الذي تمتعت به إيران كفاعل شبح طيلة العقود الأربعة الماضية، كان أحد أكثر عناصر تفوقها السياسي.
وثانيهما: أن العرب لا يجب أن يشعروا بأي ضعف أو عقدة نقص إزاء إيران، لا ثقافياً ولا استراتيجياً، فمن منظور ثقافي يبقى العرب مصدر إلهام لإيران دينياً ولغوياً، فالمذهب الإمامي (الاثنا عشري) يرجع بكل رموزه إلى العنصر العربي من البيت الهاشمي القرشي. وأغلب مزاراتهم المقدسة تقع في العراق حيث تقع مراقد سبعة أئمة من الاثني عشر تقع بمدينتي النجف وكربلاء، ومن ثم فإيران التي يُنظر إليها على أنها مركز الثقل السياسي الشيعي كدولة، ليست هي القبلة الروحية للشيعة كمذهب، ومن منظور استراتيجي لا تملك إيران تفوقاً كاسحاً على جيرانها، فالسعودية والإمارات مجتمعتين تكادان أن يعادلاها في القوة العسكرية، وأن تتفوقا عليها في بعض المجالات كسلاح الطيران، خصوصاً وهى بلد محاصر منذ عقدين، تعانى إنهاكاً مادياً كبيراً، ويقتصر تسليحها الفعلي على التكنولوجيا الروسية، وتعتمد بالأساس على الصواريخ والمسيرات التي أثبتت جل دول الخليج نجاحاً لافتاً في التصدي لها.
أما مصر وحدها، ككتلة حيوية، وقدرة عسكرية، وخبرات قتالية فتعادل إيران مرة ونصف المرة، ما يعني أن محور الاعتدال العربي الممتد من مصر إلى الخليج يمثل أكثر من ضعف القوة الإيرانية، إذا ما أهملنا مؤقتاً قدرة العرب المغاربة، وأسقطنا قدرات الهلال الخصيب المعطلة..
ومن ثم فمشكلة العرب الحقيقية لا تكمن في ضعف قدراتهم تجاه إيران أو حتى إسرائيل ولكن في تشتت تلك القدرات، وقد آن الأوان لتجميعها، واستخدامها بكفاءة وفاعلية، ما يقتضي قدراً من التعاون وإنكار الذات، فالعودة إلى الأصل تظل دائماً ممكنة، والأصل هنا هو العروبة كهوية حضارية يتعين إعادة اكتشافها في قلب المحنة الاستراتيجية، وعلى الأقل تجربتها بصدق وإصرار ولو لمرة واحدة، بعد قطيعة طويلة بين العروبة كهوية ثقافية، وبينها كهوية استراتيجية، استمرت لأربعة عقود أعقبت احتلال العراق للكويت، حينما أخذ عرب كثيرون يشككون في مفهوم العروبة، بذريعة أنه لم يعد هناك وقت للحديث عن أمة إذا أردنا، كأوطان، اللحاق بالعصر، وهو فهم ثبت زيفه وصار واجباً العودة عنه.
عودة ضرورية إلى العروبة
18 مارس 2026 00:52 صباحًا
|
آخر تحديث:
18 مارس 00:52 2026
شارك