يُنْظر إلى الحرب، عند كثيرٍ ممّن تناولوها بالدّرس من الفلاسفة أو من علماء السّياسة، بما هي حالةٌ تقع على الطّرف النّقيض من السّياسة: في المضمون كما في الأدوات، مثلما يُنظَر إلى نقيضها هذا - أي السّياسة - من حيث هو وحده الذي يضع للحرب حدّاً فيوقفها ويمحو آثارها، لذلك صار مألوفاً أن يقال إنّ إنهاء الحروب لا يكون إلاّ بالتّسويات السّياسيّة بين الأطراف المنخرطين في موجاتها الدّمويّة. فأمّا أنّ الحرب والسّياسة تختلفان في المضمون فذلك ما ليس يكون القولُ به أمراً مستبْدَهاً، لأنّهما يعبّران معاً عن حالةٍ واحدة هي النّزاع على شيءٍ مّا، وإنْ كان الفارق بينهما فارقاً في الدّرجة والكيفيّة: حيث النّزاعُ السّلميّ غيرُ النّزاعِ المتوسِّل عنفاً مسلّحاً، وأمّا أنّهما تتضادّان في الأدوات والوسائل فَصَحيحٌ ولكن صحّةً نسبيّة.
إنّه قولٌ صحيح لجهة الفارق بين وسائل العنف والإكراه التي تتوسّلها الحرب ووسائل الإقناع والمفاوضة التي تشتغل بها السّياسة، لكنّ صحّته النّسبيّة تأتي من أنّ الحرب نفسَها ليست أكثر من أداةٍ من أدوات السّياسة، إذ هي، فعلاً، امتدادٌ للسّياسة - كما لاحظ كلاوزڤيتس - وجزءٌ من أهدافها. وإذا كان يسع السّياسةَ حقّاً أن تضع حدّاً للحرب - وهي يسعها ذلك فعلاً - فما ذلك إلاّ لأنّ السّياسة تتحكّم في الحرب وتُحدِد لها الأهداف وتملك، بالتّالي، السّيطرةَ عليها وعلى جموحها وجذْبَها إلى المنطق الذي عليه مبْنى السّياسة: الاتّفاق والتّنازل المتبادل.
لا قيام للسّياسة إلاّ على المصلحة، ولا قيمومة على المصلحة إلاّ ما تفرضه عليها السّياسة. السّياسةُ فعّاليّةٌ إنسانيّة واجتماعيّة تفرضها ضروراتُ الاجتماع الإنسانيّ، وفي قلبها ضرورة تنظيم هذا الاجتماع والحفاظُ له على وحدته وتماسُكه وانسيابِ العلاقات الاجتماعيّة فيه. هذا كان جوهرها قديماً، وهكذا هو حديثاً لم يتغيّر.على أنّ المصالح التي تدور عليها السّياسة ليست من نوعٍ واحد، بل متعدّدة ومتفاوتة من حيث السّعة والامتداد، ممّا يفرض على السّياسة أن تتعدّد وجوهاً ووجهات تبعاً لتعدُّد تلك المصالح وتعدُّدِ القوى الاجتماعيّة التي تحملها.
للسّياسة، في هذه الأحوال جميعها - وظيفةٌ واحدة لا تتغيّر: إدارةُ المصالح وتحصيلُها وتعظيمُها والدّفاعُ عنها... أَصَغُرَ حجمُها أو كَبُر. والغالب على إدارة المصلحة أن تقدّم نفسَها في شكل فعْلٍ سياسيّ سلميّ يتوسّل القوانينَ والتّشريعات القائمة، أكانت قوانينَ دوليّة - حين يتعلّق الأمر بسياسةٍ خارجيّة للمصالح الوطنيّة - أو قوانين وطنيّة داخل البلد الواحد حين يتعلّق الأمر بسياسة المصالح الاجتماعيّة. ولكنّ خلف تلك المسحة السّلميّة التي تَغْشى إدارةَ المصالح تَقْبَع حالةٌ، شبهُ صامتة، من النّزاع بين المصالح وقواها: بين الدّول أو الأمم ثمّ داخل الدّولة الواحدة والمجتمع الواحد، تظلّ خامدة من غير أن تَخْلُوَ من جذوةٍ تحافظ على مبدأ النّزاع فيها.
في المقابل، تتحدَّد الحرب بوصفها تلك الحالة التي تعجز فيها السّياسةُ عن الاستمرار في إدارة المصالح الاجتماعيّة أو الوطنيّة إدارةً سلميّة، أي تلك الحالة التي تتعسَّر فيها عمليّةُ ضبطِ النّزاعات الدّاخليّة والخارجيّة، فتميل هذه إلى أن تخرُج من أُطرها السّياسيّة والقانونيّة الكابحة إلى التّمظهُر في صورة نزاعات مسلّحة أو حروب عسكريّة (حروب بين الدّول، أو حروب أهليّة).
من البيّن أنّ هذه الحالة من انفلات العنف من كلِّ عِقالٍ ضابط حالةٌ سلبيّة تقوِّض كلَّ ما ابْتَنَتْهُ السّياسةُ وما ازدرعتْهُ من قيمٍ مدنيّة، وانجرار أعمى إلى الفتْك والقتل والتّدمير على نحوٍ يوحي وكأنّه يمارس فعْلَ قتْلٍ للسّياسة ومَحْوِها. مع ذلك، ليس هذا العنفُ العسكريّ المَهُول، الذي تُفصح عنه الحرب، أكثرَ من تعبيرٍ عن جنوح السّياسة ذاتها إلى امتطاء صهوته وتوسُّلِهِ أداةً لتحقيق المصالح بعد أن عزَّ تحقيقُها بوسائلَ سلميّة. وعليه، فإنّ المصلحة التي قد تقضي باللّجوء إلى السّياسة في أحوال، هي عينُها المصلحة التي قد تقضي باللّجوء إلى الحرب في أحوال أخرى.

[email protected]