خالد راشد الزيودي*

«ما هذا الجنون الذي تفعلونه حقاً؟ نحن نجتمع من أجلكم، بينما أنتم تهاجمون موقع اجتماعنا في الرياض... ما الذي تفعلونه؟» بهذه العبارة الصريحة التي تناقلتها وكالات الأنباء العالمية، عبّر وزير الخارجية التركي، في اتصال مباشر مع نظيره الإيراني، عن حجم التناقض الذي بات يطغى على السلوك الإيراني في هذه المرحلة.
لم تكن مجرد مداخلة دبلوماسية عابرة، بل توصيف مكثّف لمشهد غير مألوف في العلاقات الدولية: اجتماع إقليمي يُعقد لاحتواء التصعيد، يقابله تصعيد في التوقيت ذاته، وفي المكان ذاته.
هذا المشهد لا يمكن اختزاله في خطأ تكتيكي أو سوء تقدير مؤقت، بل يعكس نمطاً متكرراً من السلوك العدواني الذي يتصاعد بشكل ملحوظ. فالهجمات الغاشمة بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لم تعد تندرج ضمن إطار الضغط السياسي، بل تحولت إلى أعمال عدوان صريح تطال المدنيين والبنية التحتية الحيوية، وتمس بشكل مباشر تفاصيل الحياة اليومية للإنسان. وهو سلوك لا يمكن توصيفه إلا باعتباره انزلاقاً خطيراً نحو ما يمكن تسميته ب«الحماقة الاستراتيجية».
المجتمع الدولي بدوره لم يعد يتعامل مع هذه الاعتداءات كحوادث معزولة أو ضمن تعقيدات إقليمية قابلة للتأويل. فقد جاء قرار مجلس الأمن رقم 2817، الصادر في 11 مارس/ آذار الحالي، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الهجمات، وبتوافق نادر تمثل في تصويت 13 دولة من دون أي اعتراض، وبرعاية 153 دولة. هذا المستوى من الإجماع يعكس تحوّلاً نوعياً في إدراك طبيعة هذا السلوك، بوصفه تهديداً مباشراً للأمن والسلم الدوليين، لا مجرد خلاف سياسي يمكن احتواؤه عبر القنوات التقليدية.
وعلى الصعيد الإقليمي، تبدو الصورة أكثر وضوحاً وحسماً. الاجتماع التشاوري في الرياض، الذي ضم وزراء خارجية عدد من الدول العربية والإسلامية، لم يكتفِ بإدانة هذه الاعتداءات، بل وضعها في إطارها الحقيقي كخرق صارخ للقانون الدولي، وعدوان لا يمكن تبريره بأي ذريعة. وقد أكد البيان المشترك بشكل قاطع أن استهداف المناطق السكنية والمنشآت الحيوية يمثل تجاوزاً لكل الخطوط الحمراء، ويهدد استقرار المنطقة برمتها.
غير أن ما يزيد خطورة هذا المشهد هو التوقيت والرسائل الكامنة وراء هذه الأفعال. استهداف موقع اجتماع إقليمي يسعى إلى التهدئة يكشف عن خلل عميق في منطق إدارة التصعيد، ويطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الحسابات التي تحكم هذا السلوك. ففي العلاقات الدولية، حتى في ظل الخلافات الحادة، تظل هناك حدود غير مكتوبة تُحترم للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار. أما تجاوز هذه الحدود بهذا الشكل، فهو انتقال من صراع يمكن احتواؤه إلى حالة من الحماقة غير المحسوبة.
في المقابل، بدأت الدول تعيد صياغة مواقفها بشكل أكثر وضوحاً وحزماً. لم يعد الخطاب مقتصراً على الدعوة إلى التهدئة وضبط النفس، بل بات يتضمن تأكيداً صريحاً على حق الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن سياسة الصبر الاستراتيجي، في ظل تكرار الاعتداءات، لم تعد خياراً قابلاً للاستمرار دون كلفة متصاعدة.
إن هذه المواقف المشتركة للدول العربية والإسلامية تضع إيران في دائرة الاتهام كدولة منبوذة في محيطها، وتخرج عما يفرضه حسن الجوار من علاقات طبيعية تقوم على الاحترام المتبادل، ومن دون التدخل في شؤونها الداخلية، أو تشكل تهديداً لها. وإدراكاً من وزراء الخارجية للأوضاع الخطرة في المنطقة وتحديداً ما يتعلق بمواصلة الاعتداءات الإيرانية فقد جددوا العزم على مواصلة التشاور والتنسيق المكثف بهذا الخصوص لمتابعة التطورات وتقييم المستجدات بما يكفل بلورة المواقف المشتركة، وفي السياق ذاته، يبرز الملف اللبناني كأحد أبرز تجليات هذه التداعيات، حيث تتزايد الدعوات الإقليمية لدعم سيادة الدولة وحصر السلاح بيدها، في إشارة واضحة إلى رفض أي دور موازٍ لمؤسسات الدولة. هذا التوجه يعكس سعياً لإعادة التوازن إلى مفهوم الدولة الوطنية باعتبارها الضامن الوحيد للاستقرار.
إن تلاقي هذه المعطيات يرسم ملامح مرحلة جديدة، عنوانها أن هذا السلوك لم يعد مقبولاً، وأن الاستمرار فيه لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة، ورغم وضوح هذه المؤشرات، لا يزال النهج ذاته مستمراً، وكأن الرسائل الدولية والإقليمية لا تجد صدى حقيقياً في دوائر القرار، ومع ذلك، لا تزال هناك فرصة لتغيير المسار، لكنها ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية. فالإصرار على التصعيد، وتجاهل كل التحذيرات، لن يقود إلا إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار، وربما إلى نتائج يصعب احتواؤها.
في النهاية، ليست المشكلة في غياب الأصوات التي تنصح وتحذر، بل في الإصرار على تجاهلها. وعندما يصل السلوك إلى هذا المستوى من التناقض، يصبح السؤال المشروع: هل نحن أمام سياسة محسوبة، أم أمام اندفاع لا تحكمه حسابات؟

* باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر

[email protected]