أفضت نهاية الحرب الباردة وتواري التيارات الاشتراكية، إلى غياب الصراع الأيديولوجي (الكبير) حول معنى وحركة التاريخ،
بما يستثيره ذلك من جسارة وخيال وطموح إلى إعادة تشكيل العالم. ومن ثم انفتح الباب واسعاً أمام الصراعات «الصغيرة» حول المشكلات التقنية والقضايا الاستهلاكية والحسابات المادية العارية من أية قيم إنسانية، خصوصاً بعد أن تنازل اليسار السياسي في أوروبا عن طموحه إلى تغيير مجتمعاته، بجعلها أكثر عدالة وإنصافاً، وتواضعت مطالبه إلى الحد الأدنى فكاد يُعلن الاستسلام للرأسمالية الجديدة باسم الواقعية، كما انطوى اليسار الثقافي على نفسه خصوصاً بعد أن خفت صوت مدرسة فرانكفورت النقدية برحيل مؤسسيها الكبار: أدورنو وهوركهايمر وماركوزا حتى بدا يورغن هابرماس من الجيل الثاني (رحل الأسبوع الماضي)، عصفوراً وحيداً لا يكاد يصنع ربيعاً حقيقياً.
وهكذا فتح الباب أمام الأفكار المنغلقة وربما المحبطة، التي تدفع نحو تفكيك العالم، وصعدت الأصوليات الدينية كمعول هدم لكل ما تراكم من تراث فكري حول النزعة الإنسانية، ومع انكفاء الجيش الأحمر السوفييتي ولد التحدي الإرهابي ممثلاً تنظيم القاعدة ثم داعش.. إلخ، وبديلاً عن وحشية ستالين والنازي والفاشي وجدنا أنفسنا أمام همجية بن لادن وعبثية الزرقاوي.
كان الأدب السياسي الحديث قد ولد من رحم «عصر العقل»، واستبطن مُثل الحداثة، ودار الجدل بين أطرافه زمناً طويلاً حول دور «الإنتلجنسيا»، أي الطبقة المثقفة، في نشر الوعي الثوري، كما ولدت باسمه وتحت مظلته التنظيمات الطليعية/الحزبية التي تحلم بالثورة لتغيير مجتمعاتها، وتطمح إلى استلام السلطة وممارستها حال نجاح الثورة كما كان اليعاقبة إبان الثورة الفرنسية، والبلاشفة إبان الثورة الشيوعية.
لكن ومنذ التسعينات، ولج العالم عميقاً في عصر (الصورة)، فلم تعد الأفكار الكبرى مهمة للسياسي الجديد الذي بات جل جهده منصرفاً ليس إلى استلهام الأفكار الكبرى بل إلى حسن عرض الأفكار الصغرى، التي افتقدت للعمق، واكتفت بالمساحة، أي بحاصل ضرب طولها في عرضها، ومنذئذ صار العالم السياسي مسطحاً كبيراً، أما طلب السلطة والتنافس عليها فيتم بوسائل تُعوِّل على الإيهام والمراوغة والتحايل وليس على الإلهام والقيادة والإبداع، فلم يعد مطلوباً من السياسي تداول خطط معمقة وصياغة استراتيجيات معقدة قد لا يستسيغها الجمهور العريض أو لا يستوعبها العقل البسيط، بل يكفيه الإيماء بوعود براقة، يفضل أن تكون مبهمة.
في العقدين الماضيين، أحكمت وسائط التواصل الاجتماعي هيمنتها، فلم تعد ثمة مراكز إنتاج فكري رفيعة ولا مراكز بث معلوماتي موثوقة ولا جمهور واعٍ يستطيع نقد ما يتلقى، ليدخل العالم في حالة شبكية تتسم بفقدان المركزية، والتأثير الانعكاسي، ويدخل العقل السياسي في مرحلة ضمور، دافعها الرئيس أن مؤلف النص السياسي/ الإيديولوجي مات إكلينيكياً، فيما صعد القارئ/ الناخب تدريجياً على جسده، نعم تراجعت القيادات وتقدمت الجماهير، ولأن الجماهير الغفيرة لا تكترث بالأفكار المركبة أو العميقة، صارت الصورة والمشهد واللقطة أسياداً للموقف، وانفصلت السياسة عن القيمة.
كان تيار كبير في الفلسفة السياسية، منذ وضع أفلاطون كتابه التأسيسي «الجمهورية»، قد عبّر عن مخاوفه من النزعة الشعبوية، وأبدى شكوكه العميقة في الجماهير التي تفتقر للقدرة على تحكيم العقل، ويسهل وقوعها، من ثم، في خطر الغواية والخداع، فوضع نموذج الحكم الديمقراطي في المرتبة الدنيا بعد حكم الفرد المستنير «الملكي» وحكم القلة «الأرستقراطي». ورغم أن أفلاطون قد خفف حدة شكوكه في كتاب «القوانين»، حينما تصور أن الحكم الديمقراطي يمكن أن يكون جيداً بشروط أهمها التربية التي تُكسب الجماهير الحد الأدنى اللازم من ملكة الحكم على الأشياء، فإن الثورة التكنولوجية أثبتت أن ذلك نموذج الحكم الديمقراطي يظل قابلاً للانتكاس حتى بعد ثلاثة قرون على انتشار التنوير، وقرن من رسوخ الحداثة وسيادة العقلانية، هذا الواقع هو الذي أجاد دونالد ترامب، اغتنامه في الصعود إلى سدة البيت الأبيض، وفي العودة الاستثنائية إليه.
وعلى هذا صار الرجل تجسيداً لذلك النوع من الحكام الذين أخضعوا التاريخ لغريزة القوة، وأعادوا البشرية إلى حالة الطبيعة الأولى.
عالم مُسطّح
25 مارس 2026 00:15 صباحًا
|
آخر تحديث:
25 مارس 00:15 2026
شارك