نتصفح شاشات هواتفنا، وتستوقفنا مقالة مفيدة هنا، أو مقطع يشرح فكرة جديدة هناك، أو تغريدة تحتوي على شرح لأداة معينة أو معلومة ما. وبدلاً من قراءة المحتوى بتركيز، يكتفي البعض بالضغط على زر «حفظ لوقت لاحق»، وينتقل سريعاً إلى موضوع آخر. تتكرر هذه العملية حتى تتضخم قوائم الحفظ لتشمل مئات المواد التي قد لا يعود إليها أصحابها أبداً.
هذه العادة تبدو كأنها رغبة في التعلم، لكنها في حقيقتها أقرب إلى العكس، تخزين الروابط والمحتويات يتحول إلى هدف بحد ذاته، ويمنح الفرد شعوراً وهمياً بالمعرفة دون أن يبذل أي جهد حقيقي في القراءة. مصدر هذا الوهم هو الطريقة التي نتعامل بها مع فكرة الإنجاز. عندما يضغط الفرد على زر الحفظ، فإنه يشعر برضا داخلي مريح يشبه الشعور الذي يرافق إتمام مهمة بنجاح.
هذه الخطوة السريعة تخدعنا، فيشعر الشخص وكأنه قام بإنجاز ما بمجرد إضافتها إلى قائمته. وبمرور الوقت، يصبح هذا الشعور اللحظي بديلاً سهلاً عن الجهد الذي تتطلبه القراءة الفعلية، فنقع في فخ تكديس الروابط والمقالات، بينما يبقى الذهن يتغذى على ما تظهره الشاشة من محتوى عابر لا يضيف شيئاً. تزداد المشكلة حين ترتبط بالصورة التي يرسمها الإنسان لنفسه. يميل بعض الأفراد إلى استخدام قوائم الحفظ كشيء يعكس النسخة المثقفة التي يطمحون أن يكونوا عليها. تراكم المقالات والتحليلات والشروح في الهاتف يمنح صاحبه طمأنينة خفية بأنه شخص مهتم بتطوير ثقافته ومعرفته، وأنه سيعود لهذه المعلومات، وأنه سيتعلم هذه المهارة أو سيقرأ تلك المعلومات، لكن «سوف» هنا نادراً ما تتحقق.
والحقيقة أن البعض منا يخلط بين سهولة الوصول إلى المعلومة وامتلاك المعرفة ذاتها. وهما شيئان مختلفان تماماً؛ الأول لا يحتاج سوى إلى اتصال بالإنترنت، والثاني لا يحدث إلا بالقراءة والتأمل، وعن طريق بذل جهد فعلي. التخلص من هذه العادة لا يعني التوقف عن الحفظ كلياً، بل يبدأ بإدراك أن جمع الروابط لا يعني التعلم، والقائمة الممتلئة لا تعني ثقافة أوسع.
قد يكتشف البعض أن حذف مئات المقالات المحفوظة، والاكتفاء بقراءة نص واحد بتركيز تام أجدى وأنفع؛ فالمعرفة لا تقاس بعدد الروابط في الهاتف، بل بما يستطيع المرء أن يشرحه لغيره دون أن يفتح شاشته.
قوائم الحفظ لن تقودك إلى المعرفة
27 مارس 2026 00:10 صباحًا
|
آخر تحديث:
27 مارس 00:10 2026
شارك