حين يرفع دونالد ترامب صوته في وجه حلف شمال الأطلسي، لا يبدو كمن يخاطب مؤسسة عسكرية عمرها عقود، بل كمن يقف في سوق مزدحم، يلوح بفاتورة ويطالب بسدادها. لا يتحدث عن «التحالف» كما يتحدث رجال الدولة، بل عن «الكلفة» كما يتحدث رجال الصفقات. واليوم، وقد وصل خطابه إلى حد التلويح بعدم البقاء فيه، لا يعود السؤال: هل يبالغ ترامب؟ بل: ماذا يريد من الناتو؟
المال حاضر في خطاب ترامب، بل هو المدخل الأسهل والأكثر شعبوية: لماذا تدفع واشنطن بينما تتكئ أوروبا؟ لماذا تكون أمريكا درعاً مجانياً لقارة اعتادت أن تنام تحت سقف القوة الأمريكية ثم تستيقظ لتنتقدها أخلاقياً وسياسياً؟
ففي عقل ترامب، لم يعد الناتو تحالفاً بقدر ما صار اشتراكاً أمنياً، تُدفع أقساطه بالأرقام لا بالثقة، وتُقاس جدواه بالعائد المباشر لا بالتاريخ المشترك. وهنا يكمن التحول الأخطر: هل تغيرت عقيدة الحلف من «الدفاع الجماعي» إلى «الخدمة مقابل الدفع»؟ وهل صار الأمن الغربي أقرب إلى بوليصة تأمين منه إلى رابطة مصير؟
هذا لا يكفي لفهم المشهد كله. فالطاعة الاستراتيجية تبدو هدفاً ترامبياً مشروعاً. يريد الرئيس حلفاً لا يكتفي بزيادة المساهمات المالية، بل يصطف تلقائياً خلف الإدارة الأمريكية، كأن الناتو ليس مؤسسة متعددة الإرادات، بل امتداد آلي للبيت الأبيض. والمفارقة أن هذا الامتداد كان قائماً بدرجات متفاوتة لعقود، لكن المشكلة اليوم أن واشنطن نفسها لم تعد واشنطن القديمة.
من هنا، يمكن قراءة ما يريده ترامب من الناتو في ثلاثة احتمالات متداخلة: ابتزاز مالي منظم، وتبعية سياسية أكثر انضباطاً، وإعادة تعريف العلاقة مع أوروبا برمتها. ليس بالضرورة أن يكون هدفه النهائي الخروج من الحلف، بل قد يكون الهدف الأذكى بالنسبة إليه هو إخضاعه دون مغادرته. وهذا ما يجعل السؤال الأدق ليس: هل يريد ترامب الانسحاب؟ بل: هل يريد أن يُشعر الناتو بأن أمريكا لم تعد ضمانة مجانية، بل شريك متقلب يربط الحماية بالطاعة؟
الخطر ليس أن يخرج ترامب من الناتو، بل أن يبقى داخله ويفقده الثقة. لأن الحلف العسكري لا يقوم فقط على الدبابات والطائرات والخرائط، بل على شيء أكثر هشاشة وأشد أهمية: اليقين. اليقين بأن المادة الخامسة ليست قصيدة معلقة على الجدار، بل وعد قابل للتنفيذ. فإذا بقيت واشنطن داخل الحلف، لكنها بدأت تخفض الميزانيات، أو تعيد توزيع قواتها، أو تقلص مساهمتها اللوجستية، أو تربط التزاماتها بمزاج سياسي متبدل، فإن الناتو قد يبقى واقفاً شكلاً، لكنه يتآكل روحاً. وأحياناً لا تحتاج الإمبراطوريات إلى من يهدم جدرانها، يكفي أن يتسرب الشك إلى أعمدتها.
أما قانونياً، فالصورة أقل درامية مما توحي به تصريحات ترامب، من حيث نص المعاهدة نفسها، فإن المادة 13 من معاهدة شمال الأطلسي تتيح لأي دولة الانسحاب بعد إشعار رسمي، على أن يصبح الانسحاب نافذاً بعد عام كامل. أي أن الخروج ليس مستحيلاً، لكنه ليس قفزة فورية من نافذة مؤتمر صحفي.
غير أن العقدة الحقيقية ليست في بروكسل، بل في واشنطن. ففي القانون الأمريكي الداخلي، وُضع في 2024 قيد تشريعي بالغ الأهمية ينص على أن الرئيس لا يملك الانسحاب من الناتو منفرداً، إلا بموافقة مجلس الشيوخ وفق المسار الدستوري الخاص بالمعاهدات، أو عبر تشريع كامل يمر من الكونغرس بمجلسيه. كما قُيدت أيضاً إمكانية استخدام الأموال الفيدرالية لتنفيذ انسحاب أحادي. وهذا يعني أن ترامب، حتى لو أراد تحويل تهديده إلى فعل، سيصطدم بثلاثة جدران صلبة: الكونغرس، حيث لا يزال كثيرون من الحزبين يرون الناتو أصلاً استراتيجياً لا عبئاً خيرياً، والبيروقراطية الأمنية، من البنتاغون إلى الاستخبارات، التي تدرك أن الحلف ليس هدية لأوروبا بل أداة نفوذ أمريكي لا تقدر بثمن، ثم القضاء، الذي قد يجد نفسه أمام معركة دستورية شائكة حول سلطة الرئيس في الانسحاب من المعاهدات.
وهكذا، لا يعود ترامب مجرد رجل يهدد الناتو، بل يصبح مرآة لقلق أوسع: هل ما زال العالم قادراً على العيش بضمانات أمريكية؟ وهل لا تزال التحالفات الكبرى صالحة في زمن الشك، أم أن اليقين الذي بنته واشنطن على مدى عقود بدأ يتشقق من الداخل؟
ربما لا ينسحب ترامب من الناتو غداً. وربما يبقى الحلف قائماً، بقواعده وأعلامه وبياناته الختامية. لكن المسألة لم تعد في المظهر، بل في الجوهر. فالحلف الذي بُني على يقين أن أمريكا ستكون هناك عند الحاجة، يجد نفسه اليوم أمام سؤال أشبه بريح باردة تهب من قلب الأطلسي: ماذا لو لم تعُد واشنطن تَعِد بما كانت تَعِد به؟
عندها، لن يكون الخوف من خروج أمريكا فقط، بل من أن تبقى... وقد تغيرت.
«الناتو» في زمن الشك الأمريكي
6 أبريل 2026 00:05 صباحًا
|
آخر تحديث:
6 أبريل 00:05 2026
شارك