هل سترمي القلم بأنه يهزل في موضع الجدّ؟ التراجيكوميديا هي أن الهوية العربية أمامها حشد من علامات التعجب والاستفهام، فإذا كنتَ، جنابك، لا ترى أن المشهد في صميم الثقافة، فالمصيبة أعظم. لكنك محقّ، فالمثقفون العرب، من الماء إلى الماء بلعوا الطعم بسنّارته، منذ عقود طويلة، حين أوهمتهم طبائع الاستبداد، بأن الثقافة لا جوّال لها ولا حاسوب في جهاز مناعة الهوية، وأن دورها تزييني، مثل لوحات «الطبيعة الميّتة».
من المفارقات الفاقعة، أن التصدعات العربية لم تعد تحتاج إلى مخططات تآمرية دولية، كذلك الذي أدّى إلى تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق، قبل الغزو والاحتلال، وهكذا تجلّت «الوطنية» التفتيتية في ليبيا وغيرها. المفارقة هي أن الثقافة التي يُفترض فيها أن تكون رافعة الهوية، نراها هي الأخرى قد تجزّأت. الأسباب معلومة، يجهلها المتغافلون. لقد تجسدت التشظيات الناجمة عن حقب التسلط الاستعماري، في أن المثقفين في المغرب العربي مثلاً، قد يجدون سبلاً للتفاهم مع نظرائهم في فرنسا، بأيسر ممّا يجدون من تجاوب فكري مع أشقائهم في بلدان الهيمنة الأنجلوفونية. كثيراً ما يعود القلم إلى مقال رائع في العقد السادس الماضي، للدكتور أحمد زكي، رئيس تحرير مجلة «العربي». شبّه الشعب بالشجرة، فالاستعمار اللاتينيّ (الفرنسي، الإيطالي...) يقطع الجذور، ويدع الأغصان تنمو. بينما يترك المستعمر الأنجلوساكسوني الجذور تتجذّر، ويقصّ الغصون. الحاصل هو وجود أوساط ثقافية ترى الأشياء بطرائق مختلفة، من زوايا شتى.
المفارقة المأساة الملهاة، هي أن الكثير من المثقفين العرب لم يأخذوا الثقافة على محمل الجدّ، ففاتتهم الاستفادة منها كأداة تغيير سياسي، اجتماعي، اقتصادي، وقس على ذلك من المجالات. عيب في حق ماضينا وحاضرنا، وأوطاننا وشعوبنا، أن يجثم على صدور الهوية والسيادة والكرامة، المستعمرون طوال التاريخ الحديث، ولا نأخذ عنهم ومنهم أفضل ما صنعته وأبدعته الحضارة الغربية: الفلسفة وفكرها في كل الميادين الفاعلة، العلوم والتكنولوجيا، تطوير التعليم، البحث العلمي، التحولات السياسية والاقتصادية الإيجابية، البنى التحتيّة، الصحة، المؤسسات السياسية...
المثقفون هم عيون الأمم ونوافذها على العالم، هم مراكز اختبار التجارب والأفكار والنظريات. لم يفعلوا ذلك، فلذلك نفاجأ في كل طلوع شمس بصيحة جديدة: ها نحن عدنا لنعيد الكرّة.
لزوم ما يلزم: النتيجة اليقينية: الواجبات المرسومة أعلاه، «خطىً كتبت علينا.. ومن كتبت عليه خطىً مشاها».
[email protected]