ثلاثي الحراسة الثقافية

00:01 صباحا
قراءة دقيقتين

لا يخفى على أحد ما يشهده المجتمع العربي من تحولات على مستويات عدة، اجتماعية أو ثقافية أو فكرية، هذه التحولات وضعت الثقافة اليوم في اختبار صعب، خاصة مع تطور الاعتماد على «الإعلام الرقمي» وشبكات التواصل الاجتماعي، والذي ترافق مع توسع الفجوة بين العمق والسطحية في الخطاب الثقافي.
في كل مجتمع يسعى للموازنة بين جذوره وتطلعاته، تعمل ثلاث قوى متساندة لحماية وعيه العام: المثقفون، الأكاديميون، والإعلاميون الثقافيون، وتشكل بمجموعها شبكة تفاعلية تحفظ للثقافة معناها، وللفكر دوره التنويري، فهذا الثلاثي هو خط الدفاع الأول ضد التبديد والتسطيح وهو بمثابة «منظومة الحراسة» التي تبقي الفكرة الثقافية معافاة ومتوهجة.
فالمثقف هو صانع الأسئلة وحارس المعنى، يواجه السائد ويحاكم ما يقدم من أفكار وقيم على الساحة العامة، كاشفاً عن قوتها أو هشاشتها، والتاريخ يخبرنا أن كل مشروع نهضوي عربي بدأ بمثقف عمل على إعادة تعريف المفاهيم السائدة، وطرح الأسئلة التي يخشى البعض من مواجهتها، ليجدد الخطاب الثقافي الذي نتحدث به عن أنفسنا والعالم، وأما الأكاديمي فهو الذي يمنح الثقافة بنيتها المنهجية والمعرفية، وهنا أشير إلى أن الإحصاءات تؤكد أن الجامعات العربية تضم أكثر من 12 مليون طالب، لذا فإن الحضور الأكاديمي في النقاش الثقافي العام ضرورة ملحة، فغياب الأكاديمي عن الساحة الثقافية، يضعف الصلة بين المعرفة النظرية والمعرفة المجتمعية التطبيقية، ومن الضروري أن يخرج الأكاديمي من القاعة الدراسية إلى كتابة المقال والتفاعل مع المنصات والبرامج الثقافية، فهو شريك مهم وفاعل في صياغة الوعي العام.
وتكتمل الثلاثية بالإعلامي الثقافي، الذي يشكل حلقة الوصل بين الفكر والجمهور، وتتمثل وظيفته في تقديم الثقافة كجزء طبيعي من الحياة اليومية، فالإعلامي الذي يمتلك خلفية معرفية وقدرة تحليلية يعيد للصحافة الثقافية دورها الحقيقي في إثراء الوعي العام، وتحفيز الناس على التفكير والإنتاج المعرفي، وحين يكون حضوره الإعلامي فاعلاً في نقل الفكر وتقديمه بلغة قريبة من الناس يصبح عنصراً أساسياً في منظومة الحراسة الثقافية، مؤثراً في الذائقة وموجهاً للنقاش العام.
إن تكامل المثقف والأكاديمي والإعلامي الثقافي ضرورة استراتيجية لأي مجتمع يريد أن يفكر في نفسه بعمق ووعي، وحين تنقطع هذه السلسلة، تتهاوى البنية الفكرية فنغرق في خطاب بلا معرفة، إن العمل الثقافي هو جهد يومي للحفاظ على الوعي العام من التبسيط والسطحية، وهؤلاء الثلاثة هم من يتولون هذه المهمة، فيحمون الثقافة من الضعف والتشتت.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"