الرواية المخادعة

00:39 صباحا
قراءة دقيقتين

لا أعلم إن كان يجوز لنا أن نصف الكاتب الروائي بأنه «ساحر»، لكنه بالفعل يمارس شيئاً يشبه السحر، فالكاتب يروي الحكايات ويصنع حياة كاملة على الورق، ومن بين السطور يولد بشر من خيال صرف، يتحركون ويشعرون ويواجهون مصائرهم، دون أن يغادروا حدود الحبر والورق، وهي بالطبع كتابة تتطلب دقة وصبراً وفهماً عميقاً للطبيعة الإنسانية؛ لأن القارئ لا يرى الشخصيات ولا يسمعها، ومع ذلك يصدقها تماماً، وهنا وحده الكاتب يمتلك القدرة على كشف ما يدور في عقول شخصياته، ويمنح القارئ فرصة لرؤية العالم من زاوية أخرى.
هذا السحر الروائي لا يمكن اختزاله في التسلية، أو سرد القصص فحسب؛ لأن الرواية، حين تكتب بإتقان وحرفية عالية، تتحول من حبر على ورق إلى حياة ومرايا تعكس الحياة، يعيش القارئ داخلها تفاصيل واقعه اليومي من جديد، يكتشف نفسه داخل الحكاية، ويتقاطع مع الشخصيات في خوفها وحبها وشكها وعدالتها، ويدخل عالماً خيالياً، ويجد نفسه متورطاً في الحبكة شيئاً فشيئاً.
لقد نجح كثير من الروائيين عبر التاريخ في أن يقدموا للقارئ من خلال شخصياتهم، عبر قراءة عميقة للحياة والمجتمع، لتكشف هذه الشخصيات طبقات خفية من الصراع وتقترب من جوهر الإنسان نفسه، وهنا أصبحت الرواية مساحة يواجه فيها القارئ ذاته وتناقضاته، كما يحدث لمن يقرأ رواية «العمى» لخوسيه ساراماغو، أو«الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي، وغيرها من الأعمال العالمية التي تجاوزت حدود الحكاية وغاصت في عمق التجربة الإنسانية.
من هنا نقول إن أعظم ما يميز كاتباً عن آخر هو قدرته على التسلل إلى داخل العقول وممارسة «خدعته السحرية»، أن يجعلك تغرق في عالم من خياله لا وجود له خارج الكتاب، ولكنك رغم ذلك تعيشه بكامل حواسك، والكاتب الساحر هو من يريك ما يدور في ذهن الشخصية، ويرسم صوت أفكارها وترددها بين القرار والخوف، ويجعلك تشعر بأنك أنت من يخوض الصراع النفسي معها، لتتحول الرواية إلى فعل إنساني، يتجاوز سطحية الأحداث ويغوص في أعماق التجربة الإنسانية، فيتحول القارئ إلى شريك يرافق الشخصيات في رحلتها العقلية والوجدانية.
لذلك حين نصف الكاتب بالساحر فليست هذه مبالغة، بل اعتراف بقدرته على أن يضعنا في قلب الحكاية، ويجعلنا نتعاطف مع شخصيات من ورق كما لو كانت من لحم ودم، نفرح لانتصاراتها، ونحزن لانكساراتها، نعيش معها لحظات الهشاشة، وهذه بلا شك هي قوة الأدب الحقيقي، حين يتحول من حروف مطبوعة إلى تجربة إنسانية تمس القلب قبل أن تمس العقل.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"