الشارقة: علاء الدين محمود
لطالما أغوت الحياة البرية والطبيعة الرسامين والفنانين التشكيليين، فحولوا مشاهداتهم وتصوراتهم إلى لوحات فنية عامرة بالألوان والبذل الإبداعي المعبر عن الحالة المشهدية المعينة؛ وفي هذا المجال تتعدد المشارب الفكرية والفنية للرسامين في تعاملهم مع الطبيعة من حولهم.
تعد الفنانة الإماراتية رؤى المدني من أبرز الرسامين والتشكيليين الإماراتيين الذيــن صنعوا حواريات مع الطبيعة وكائنات الحياة البرية المختلفة؛ إذ تعتبر أعمالها غنية بالتفاصيل وتتضمن لوحات نابضة بالحياة، وتتميز بالجمع بين الدقة المتناهية والعمق العاطفي، مع إبراز تفاصيل قد لا تلاحظها العين العادية، مما يجعل لوحاتها تبدو وكأنها صور فوتوغرافية عالية الجودة. فهي توظف ألوان الزيت مما يمنح اللوحة حيوية لونية، وكذلك أقلام الجرافيت لإبراز التباين الحاد بين الظل والنور. ويميل أسلوبها نحو تصوير الحياة البرية بوقار، بتعبيرات وجه تنبض بالحياة والمشاعر، كما تعمل على دمج الفن بالطبيعة بشكل مباشر، مثل مشروعها «الطبيعة في التفاصيل» الذي حولت فيه بقايا عظام وحوافر الحيوانات المهملة إلى قطع فنية مرسومة؛ لتعزيز فكرة الاستدامة.
ومن أبرز تلك الأعمال التي تقف شاهدة على براعة رؤى التصويرية، لوحة زيتية لحيوان 'الإمبالا' -وهو نوع من الظباء البرية -قامت برسمها عام 2020 بأسلوب واقعي شديد الدقة في ملامح الوجه وتدرجات ألوان الفراء، وتصوير القرون العريضة 'المفلطحة' التي ينفرد بها هذا النوع من الأيائل؛ مع استخدام لون وردي في الخلفية يبرز تفاصيل الحيوان ويجعله محور التركيز الأساسي، مما يضفي طابعاً درامياً ويحفز المشاهد على التأمل الكلي في التفاصيل التشريحية والجمالية للموضوع، مثل لمعان العينين وملمس الفراء وبقية التفاصيل.
تيار
تنتمي اللوحة إلى تيار الواقعية، لا إلى مدرسة الطبيعة، وتحديداً ما يُعرف بـ 'بورتريه الحياة البرية'؛ وذلك لأن الفنانة نقلت التفاصيل التشريحية للحيوان بدقة متناهية تحاكي الحقيقة، حيث تظهر الشعيرات الدقيقة والظلال والضوء كما نراها في الواقع تماماً. وفي الحقيقة، نجد أن هناك بعض التداخلات بين التيارين 'الواقعي والطبيعي'؛ نظراً لأن الفنانة صوّرت الطبيعة بأسلوب واقعي بحت.
يعدُّ العمل رحلةً فائقة الجمال، تنقلنا من خلالها الفنانة إلى أعماق البرية عبر تفاصيل لوحةٍ تمثل تجسيداً سينمائياً يعيد تعريف العلاقة بين المتلقي والكائنات التي تشاركه هذا الكوكب. وقد نجحت رؤى في خلق تناغمٍ فريد بين الضوء واللون؛ إذ تفرض اللوحة هيبتها على الناظر عبر تباينٍ لوني مدروس، فجاء اللون الوردي في الخلفية متسماً بالحيادية والهدوء، مما شكّل منصة بصرية مثالية لإبراز قوة 'الإمبالا'. هـذا الاختيار الذكي جعل من الحيـــوان بطـــلاً أوحد، متحرراً مــن أي تفاصيـــل بيئيـــة قـــد تشتــت انتبــاه الرائـي.
ولعل أبرز التجليات الجمالية في اللوحة تكمن في 'ملمس الأشياء'؛ فقرون الإمبالا الحلزونية رُسمت ببراعة تُظهر خشونة العظم وتعرجات الزمن، بينما ينساب الفراء البني بدقة متناهية تجعلك تشعر بحرارة الشمس المنعكسة عليه. لقد تجاوزت الفنانة مجرد الرسم لتصل إلى مرحلة 'نحت' التفاصيل بالفرشاة، ويبدو واضحاً أن العين هي مركز الثقل الفني في العمل؛ إذ استطاعت الفنانة حبس الضوء داخل حدقة العين، مما منح الكائن نظرة 'إنسانية' مليئة بالحذر والسكينة في آنٍ واحد. ويظهر التمكن الفني لدى رؤى في دقة الخطوط التشريحية للوجه والرقبة، مما يعكس دراسة عميقة لفيزيولوجيا هذا النوع من الظباء.
أبعاد فكرية
لا تخلو اللوحة من الأبعاد الفكرية، خاصة فيما يتعلق بـ 'فلسفة الاستدامة' والنظرة إلى البيئة بوصفها مجالاً حيوياً يستوجب الرعاية؛ ولعل هذا ما يكشف سر اختيار رؤى لحيوان 'الإمبالا'، فهو فصيل مهدد بالانقراض، مما يجعل هذا الاختيار يحمل رسالة ضمنية تشير إلى هشاشة الحياة البرية، وضرورة بذل الجهود للحفاظ على هذه الكائنات النادرة التي تُضفي جمالاً على الحياة. وتعبر الفنانة عن هذا المنحى إبداعياً من خلال رسم 'بورتريه' لهذا الكائن الذي ينظر مباشرة إلى المشاهد، محاكيةً بذلك وضعية البورتريهات المخصصة للبشر؛ وهنا تبرز فكرة 'المساواة في حق الحياة' بين مختلف الكائنات. فالفنانة لا ترسم حيواناً لمجرد تزيين الجدران كما تجري العادة، بل ترسم كائناً له تاريخ ومشاعر ووجود، مما يعزز فكر الاستدامة والوعي البيئي الذي يُعد جزءاً أصيلاً من رؤيتها الفنية.
يتجاوز العمل فكرة كونه مشهداً منقولاً من قلب الطبيعة، فهو بمثابة وثيقة فنية تؤكد أن الواقعية ليست مجرد مهارة يد، بل هي وسيلة لنقل 'روح' الطبيعة إلى قلب القماش. إنها دعوة للتأمل، ليس في جمال التكوين فحسب، بل في قدسية الأرواح التي تسكن هذه الأجساد البرية؛ فالواقعية المفرطة هنا ليست مجرد محاكاة فنية للحقيقة، بل تعبير عن تضامنٍ مع هذا الحيوان الجميل عبر إبراز تفاصيله التشريحية بشكل مبدع وتأويل نظراته. كما تظهر مسحة من الرومانسية في اللوحة عبر 'أنسنة' نظرة الإمبالا، فهي لا تبدو وحشية أو غريزية، بل تحمل نوعاً من الهدوء والسكينة والارتباط الروحي بالطبيعة؛ إذ رسمت الفنانة هذا الكائن في وضعية المواجهة، وهو أسلوب يمنح الحيوان 'شخصية' و'هيبة.