مرايا الفقد

00:19 صباحا
قراءة دقيقتين

يشعرنا الفقد بأننا مجرد غيمة، أو ربما حلوى غزل البنات التي أحب اسمها، لكنني أكرهها.
نتفكك ونتلاشى، ونتحول لكائنات هلامية عند نزول الدمعة الأولى.
الفقد الذي كلما نزل على قلب، أحاله صفيحة صدئة على شاطئ مهجور، يركلها البحر بلا اكتراث، ويتركها تصدأ تحت عواء الريح.
نصير غباراً لا يرى، لكنه يعكّر زجاج النوافذ، أو صوت انكسار في بيت عائلة صماء.
الفقد الذي لا يربي الشوق، بل يروضه ليصير جلاداً يجلس في زاوية الروح، ويصفق كلما تذكرنا شيئاً جميلاً.
صارت قلوبنا أرشيفاً للغياب، ونحن لا نعرف إن كنا نتنفس، أم أننا نفتح صدورنا للعاصفة.
نكتب كثيراً، نجالس الصمت، كأنه آخر من تبقى من العائلة، وتربّت على الوحدة.
نضع أكفنا على صدورنا، فلا نسمع النبض، بل صوت الأسماء التي لا تجيب.
نحدق في أسقف الغرف، نبحث عن شق صغير، يهرب منه الضوء، أو يعود منه من رحلوا، ولو على هيئة ظل ناعم، أو رائحة مألوفة تشبه نسياناً لطيفاً.
نشرب الماء كأننا نطفئ حريقاً داخلياً. نرتب أشياءنا ببطء كمن يجهز بيته للغرق، ويبتسم.
نرسم دائرة لا نتذكر أين نقطة بدايتها، نعلّق فيها صور من رحلوا وتركونا نواجه الحنين من بعدهم كأوراق خريفية في مهب ريح صيف عابرة.
الفقد الذي لا يتوقف وكأنه في سباق مع القلوب، يشعلها ويطفئ فيها النبض ويمضي ليحل مرة أخرى كعاصفة أو سكون.
الفقد الذي يتعملق وحشاً ليخطف من أحبونا ومن أحببنا، ومن كنا معهم ذات لقاء ولو عابر، وتقاسمنا معهم الضحكة والنظرة والكلمة، يجيء لينتقي الأجمل والأنقى ويمضي علّه يحسن صورته البشعة ولا يكتفي.
يشعرنا الفقد أننا مجرد غيمة لا تمطر، لكنها تتبدد كلما انتابها شوق أو انقضت عليها ذاكرة.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"