تحديات الهدنة

00:04 صباحا
قراءة 3 دقائق

الأحداث الفجائية هي المقلقة، هي المدهشة الحاملة للصدمة المثيرة للأسئلة، وكونها تفعل ذلك، لا تعني أنها أقرب إلى المؤامرة أو الكذبة أو عدم التصديق. 
نحن نفهم اندلاع الحروب فجأة، لأن لها ما يسبقها من توترات في العلاقات تنعكس في التصريحات الإعلامية والمواقف، على سبيل المثال، كان من المتوقع أن تشن إسرائيل حرباً على إيران، أو توجّه ضربة عسكرية كبيرة لتعطيل المفاعلات النووية أو تعوق عملها، أو إضعاف ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية، التي اشتكت منها إسرائيل ووضعتها بنداً رئيسياً في المفاوضات مع أمريكا. ونستطيع أن نفهم أيضاً أن تقوم إسرائيل، بعد نشوب الحرب مع إيران، بتوجيه ضربة استباقية لحزب الله أو الحوثيين، لكننا لم نتوقّع صبر إسرائيل حتى قام حزب الله بإطلاق صواريخ على المستوطنات الشمالية.
وفي الحقيقة، لم تكن إسرائيل صامتة كلياً، إذ على مدى عام ونصف العام ، على إثر وقف إطلاق النار في عام 2024، كانت إسرائيل تنفذ ضربات ضد قيادات وعناصر من حزب الله وحركة حماس في لبنان، حتى يقال إنه سقط نحو 600 ضحية خلال الفترة التي تلت وقف إطلاق النار، وآلاف الجرحى. في النهاية اندلعت المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، وكانت مواجهة شرسة للغاية.
قلنا، نتوقع اندلاع الحروب للأسباب المذكورة، والمنطق يقول إن علينا أن نتوقع وقف إطلاق النار بالطريقة ذاتها، لكن ما حدث هذه المرة، على الجبهة الأمريكية -الإسرائيلية- الإيرانية، والجبهة الإسرائيلية -اللبنانية، فاق كل التوقعات، وترك المحللين والمتابعين والناس العاديين في حالة اندهاش.
صحيح أن المدافع كانت تعمل والقنوات الدبلوماسية كانت تعمل بالتوازي، إلا أن الأمر حدث بسرعة كبيرة، كأن تدلق برميل ماء بارد فجأة على نار مشتعلة، وفجأة تتحول هذه النار إلى رماد قد ينبت منها العشب. فجأة تم الإعلان عن وقف إطلاق نار بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة، ثم حدث وقف إطلاق نار مفاجئ بين إسرائيل من جهة وحزب الله في لبنان من جهة ثانية،  
مفاجأة تجعلنا نشعر أحياناً بالغباء السياسي، أو بسذاجة التفكير الاستراتيجي، أو تجعلنا نضحك كثيراً على الأخبار وحرارة وسائل الإعلام وحماسة المراسلين، المشهد يشبه تماماً رجلاً كان يصرخ لمدة طويلة ويطلق الشتائم وعبارات التهديد والوعيد ثم يصمت فجأة. هنالك أمر غير طبيعي.. وما يجعله كذلك هو طبيعة الأهداف الموضوعة لكل حرب، فإذا الحرب تنتهي من دون تحقيق الأهداف مع الإعلان أن المفاوضات ستحقّق الأهداف كافّة.. ولن نكرر مجموعة الأهداف التي كان يطلقها كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومعه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وكيف أنها تحوّلت في طبيعتها وشكلها وحدّتها وربما تبدّلت.
نتمنى، قبل كل شيء، أن يدوم وقف إطلاق النار على الجبهتين ويؤدي إلى اتفاقية سلام دائمة، لكن الأمنيات شيء والواقع شيء آخر، وهذا يعني وجود تحديات، ولن أقول عراقيل، ليس لوقف إطلاق النار، لكن للعملية السلمية برمتها، وهذه التحديات تشبه قريناتها في العملية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين، لأن المعاهدات ركّزت على القشور وتجاهلت الجوهر، والجوهر في نظري هو العقلية وما تقوم عليه من مبادئ وقناعات وعقائد. والأمر ذاته يحدث في العملية السلمية، إن كان بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، أو بين إسرائيل وحزب الله.
إن ما يتسرّب في وسائل الإعلام عن قرب التوصل إلى اتفاقية بين الولايات المتحدة وإيران، يركز على فتح مضيق هرمز والمفاعلات النووية الإيرانية، وقد تؤكد إسرائيل على أمريكا ضمان عدم دعم إيران لأذرعها العسكرية في اليمن ولبنان والعراق، وحسب رأيي المتواضع، فإن هذه البنود شكلية أكثر منها جوهرية ولا تضع حداً لسلام دائم. 
فعقيدة إيران الإثني عشرية وموقفها من إسرائيل، وطموحها التاريخي في الخليج والمنطقة، والمبادئ الخمينية في تصدير الثورة، كل ذلك يجتمع في النظام، وطالما أن النظام موجود، فإن السلام سيكون هشاً لأن البعد الروحاني يتغلّب على البعد السياسي، أما في الجانب السياسي، فإن إيران خرجت من الحرب بدعم روسي صيني، ما يجعلها حليفة لهما، وعليها سداد الدين بطريقة أو بأخرى، وهذه البنود لم تتطرق إليها المفاوضات.
وفيما يتعلق بالمحور اللبناني الإسرائيلي، فما ينطبق على إيران ينطبق على حزب الله، لأن الأخير تابع للأول، وهناك من يعتقد أن حزب الله تلقى أوامر من إيران لفتح جبهة الجنوب اللبناني. وبغض النظر عن هذا الأمر، هناك تحديات أمام رئيس الجمهورية نفسه، يتعلق بالدستور، حيث يجرّم الدستور اللبناني التطبيع مع إسرائيل، لذلك، يحتاج الأمر إلى تشريع جديد، يمر بمجلس النواب، وهنا: سيحتدم الصراع الحقيقي بين مع وضد، بين الوطنية والتخوين. والتحدّي الثاني يقع على الحكومة نفسها حين تُقدم على تجريد حزب الله من سلاحه، والجميع يعرف تواضع قوة الجيش اللبناني.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"