يشير التقرير الربع سنوي الأخير الصادر عن صندوق النقد الدولي، إلى أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة أكثر تعقيداً، تتسم بما يمكن وصفه ب«النمو المنخفض الممتد»، حيث تتقاطع عوامل تباطؤ الإنتاجية، وارتفاع مستويات الدين العالمي التي تجاوزت 300% من الناتج، مع استمرار الضغوط التضخمية وبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبياً. هذه البيئة لا تقيّد فقط قدرة الدول على التوسع والاستثمار، بل تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي في اتجاه أكثر حذراً، يركز على إدارة المخاطر وتعزيز المرونة، في ظل تحولات هيكلية كبرى تشمل صعود تكتلات اقتصادية جديدة، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، والتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التوترات الجيوسياسية المتزايدة.
في هذا السياق، جاءت تقديرات الصندوق لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتعكس صورة غير متجانسة، إذ خفّض توقعات النمو إلى نحو 1.4% في عام 2026، مع تأكيد أن الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية ذات تأثير «غير متناظر» بين دول المنطقة. ويبرز هذا التفاوت بوضوح في دول الخليج، حيث تعيد التوترات الإقليمية تشكيل مسارات النمو بشكل متفاوت.
ففي حين يُتوقع أن يسجل الاقتصاد الإيراني انكماشاً حاداً يقارب -12% في 2026 نتيجة الحرب والعقوبات والضغوط على صادرات الطاقة، تظهر اقتصادات خليجية أخرى قدراً أعلى من المرونة.
إذ يُتوقع أن تحافظ الإمارات العربية المتحدة على نمو يقارب 4% في 2026، لكن هذه الأرقام لا تعكس فقط الأداء الكلي، بل تخفي وراءها تحولات نوعية عميقة في بنية الاقتصاد. فالإمارات اليوم تعتمد بشكل متزايد على القطاعات غير النفطية التي باتت تشكّل النسبة الأكبر من الناتج المحلي، حيث تقود قطاعات مثل السياحة، والخدمات المالية، والتجارة، واللوجستيات، والتكنولوجيا هذا النمو. كما تلعب مراكزها الحضرية، وفي مقدمتها أبوظبي ودبي، دوراً محورياً في ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للأعمال والاستثمار، مدعومة ببنية تحتية متقدمة، وبيئة تنظيمية مرنة، وتشريعات حديثة تجذب الشركات متعددة الجنسيات ورواد الأعمال.
إلى جانب ذلك، استفادت الإمارات من موقعها الاستراتيجي كمحور لسلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ظل إعادة تشكيل هذه السلاسل بعد الأزمات العالمية، ما عزّز دور موانئها ومناطقها الحرة كمراكز لإعادة التصدير والخدمات اللوجستية. كما أن استثماراتها المتواصلة في الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، تعزز من قدرتها على تحقيق نمو مستدام يتجاوز تقلبات أسواق النفط.
كما أن السياسة المالية المتوازنة، وارتفاع مستويات الاحتياطيات، وقدرة الدولة على إدارة الدين العام بكفاءة، تمنحها هامشاً مالياً مريحاً للتعامل مع الصدمات. وفي الوقت ذاته، تستفيد الإمارات من تنوع شركائها التجاريين، وعدم اعتمادها على سوق واحد أو قطاع واحد، ما يعزز من مناعتها الاقتصادية في مواجهة التقلبات الإقليمية.
أما قطر، فتستفيد من استقرار صادرات الغاز الطبيعي المسال، مع توقعات نمو تتراوح بين 2% و3% في 2026، بينما تواجه الكويت تباطؤاً نسبياً نتيجة اعتمادها الأكبر على النفط، وتبدو البحرين أكثر تأثراً بالصدمات على المدى القصير. خارج المنظومة الخليجية، تتباين الصورة كذلك، إذ يُتوقع أن ينكمش اقتصاد العراق بنحو -6.8%، في حين تحافظ مصر على نمو إيجابي.
وفي هذا المشهد، تبرز المملكة العربية السعودية مع توقعات نمو متسارع مدعوم بمشاريع «رؤية 2030»، بينما يسير الأردن في مسار أكثر تحفظاً نتيجة التحديات الهيكلية والضغوط المالية. غير أنه من الضروري التأكيد على أن ما سبق يمثل في جوهره «توقعات» مبنية على معطيات راهنة، وليس مسارات حتمية. فطبيعة الصدمات الجيوسياسية، خاصة تلك المرتبطة بالتصعيد الإيراني في المنطقة، توحي بأن آثارها قد تكون أطول وأكثر تعقيداً مما تفترضه النماذج الاقتصادية التقليدية. وعليه، فإن دول المنطقة مطالبة بعدم الاكتفاء بإدارة المرحلة الحالية، بل بالتهيؤ لسيناريو يمتد فيه أثر هذه الصدمات لفترة أطول، من خلال تسريع وتيرة التنويع الاقتصادي، وتعزيز الاكتفاء الذاتي في القطاعات الحيوية، وبناء هوامش مالية ونقدية أكبر، إضافة إلى تطوير سياسات استباقية لإدارة المخاطر. إن القدرة على التكيف مع عدم اليقين الممتد ستصبح العامل الحاسم في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، بل وفي تحويل التحديات إلى فرص في بيئة دولية شديدة التقلب.
* مستشار في الأسواق المالية والحوكمة والاستدامة
