تشهد الإمارات نهضة كبيرة في مجال الفنون، خاصة التشكيلية، أهّلتها لتكون في مصاف الدول العربية، وهذه النهضة مدعومة برؤية شاملة تنتهجها الدولة لترسيخ ما يسمى «الاقتصاد الإبداعي»، وميزات هذه النهضة الفنية الشاملة كثيرة ومتنوعة، ومن أبرزها الجمع بين التراث التقليدي وبين الفنون المعاصرة، ومن خلال هذا السعي تتحول الإمارات إلى حاضنة عالمية للمشهد الفني المعاصر الذي يمزج بين الثقافات المتعددة، ما يعزز مكانتها وجهةً رائدةً في المشهد الفني العالمي.
يقودنا هذا الحديث، إلى مسألة غاية في الأهمية، لها علاقة بدور الفنون في تشكيل هوية حضارية جامعة، فمنطق الفنون يتجاوز الحدود الجغرافية للعالم، ليمثل حاضنة لكافة العناصر والمكونات الثقافية من آداب وعلوم ومعارف، هنا، يترسخ مفهوم الفن باعتباره جسراً عالمياً للتواصل الحضاري، وبوصفه يجسد القيم الإنسانية، ويسلّط الضوء على المشترك الإنساني بين مختلف الثقافات، وليس من المبالغة القول بأن الفنون تقع اليوم في قلب التحولات المجتمعية والثقافية والسياسية، من خلال ما تطرحه رؤية جمالية عميقة.
مؤخراً صدر في السعودية كتاب بعنوان (قضايا معاصرة.. في الفن التشكيلي والفكر الاجتماعي والنفسي)، إعداد نخبة من المفكرين، وميزة هذا الكتاب تتجلّى في تركيزه على تفكيك التداخل بين المعارف والعلوم والثقافات والفنون، ما جعله في مصاف المراجع التي تتناول دراسة النمو الجمالي، وطبيعة القضايا الاجتماعية المعاصرة، من بين المشاركين في الكتاب، يدرس د. عبد الحليم رضوي، قضايا الفن بربطها بالأهداف الإنسانية الشاملة؛ إذ يؤكد أن الفنون بما تحمله من قيم جمالية، هي نسيج لما هو موجود في الحياة، وما يختلج في أعماق الإنسان الفنان.
هنا، حديث عن وحدة الفنون، وبعبارة أصح، هو حديث موازٍ عن وحدة المشاعر الإنسانية، وشمولية التفاهم بين الأمم، الفنون بهذا المعنى، هي صورة عن اللبنات المكونة للبناء الحضاري الإنساني، وهي بكل تأكيد أنصع مثال للتعبير عن روح العصر الذي نعيشه من خلال ما تجسده من أحلام وطموحات البشر.